الفدرالية والابرار العشرة




إن الوضع الجائر لا يمكن ان يؤدي الى استقرار، بل على العكس يؤجّج التوتر من الفئات المستبعدة. والتوتر يسقط من يد السلطة

المركزية فلا تقوى معه على الحكم، وهكذا تتجمد المشاريع الإنمائية وتتردى حقوق الإنسان وحرياته وهذا هو بالتحديد وضع لبنان حالياً فهو على طريقه ليضحّي بين أشد بلدان المنطقة تخلفاً إنمائياً وحقوق الإنسان فيه مهددة باستمرار. الحريات الصحافية، على سبيل المثال، باتت في لبنان دون ما تجد في "توغو" و"ليسوتو". في المجموعة العربية، بعدما كنا القدوة السبّاقة، بتنا في منزلة دون الكويت وموريتانيا وقطر والمغرب.


من المحتّم أن يكون وضع لبنان الاقتصادي والاجتماعي أشد هولاً، لولا ورقة تين القطاع الخاص وتحويلات اللبنانيين في الخارج. يخشى ألا يقوى هذا المدد من الاستمرار طويلاً في ظل الحروب الإقليمية التي تجرّ بعض الطوائف الوطن اليها خدمةً لمصالح لها وحلفائها.

ما لم يوضع حد لهذا الخلل البنيوي سيبقى لبنان أسير الحروب المتواصلة والتشنج والفساد وتشرّد شبابه وهجرتهم تحت كل سماء.


هل من وسيلة لطيّ هذه الصفحة السوداء والخروج من هذا الجحيم؟


طوّر علماء القانون الدستوري نظاماً أصلح للمجتمعات التعددية من نظام الدولة الموحّدة. قطع هؤلاء بأن الفيدرالية هي التنظيم الأمثل لها. يبدأون بمسح الواقع ويقفون على مظاهر التنافر في المجتمعات موضع البحث. هل هي عرقية؟ هل هي لغوية؟ هل هي تاريخية؟ هل هي دينية أو مذهبية؟ وينطلقون منها لرسم نظام دستوري ينظّم العلاقة بين هذه القوى على قاعدة تخفيف التوتر وربما إزالته بإيلاء كل فئة ضمانات دستورية وحدوداً وصلاحيات.




يقيمون مؤسسات محلية تخطط وتشرع في أطر معينة تطمئن كل مجموعة إليها وتخفف وربما تنزع التوتر والتربص بين المجموعات مضفية بذلك استقراراً هو اساس النحو الإقتصادي والخدمات الإنسانية. الفيدرالية هي النظام الأكثر انتشاراً في العالم، المتطور منه والذي على طريق التطور. المجتمعات الكثيرة العدد التي تعيش في أوطان شاسعة متمادية أسوةً بتلك الصغيرة العدد والمحدودة الرقعة. المجتمعات ذات الخلفيات الدينية المختلفة والمتعددة الأعراف كلها، سواءً بسواء، وجدت حل أزماتها في إطار الدولة الفيدرالية.


ما دفعني إلى تلبية الدعوة ومخاطبة هذا الحفل الشجاع هي الثقة بشبان وشابات شخّصوا مرض لبنان المزمن ومالوا الى الفيدرالية علاجاً له.


لا تخشوا قلة العدد في مرحلة عملكم الأولى هذه. لكم عزاء في إحدى أروع ما جاء في العهد القديم وهو حوار بين الله وإبراهيم كثيراً ما استشهد به مارتين بوبر:

"وقال الرب أن صراخ سدوم وعمورة قد كثر وخطيئتهم قد عظمت جداً. فتقدم ابراهيم وقال أفتهلك البار مع الأثيم. عسى ان يكون خمسون باراً في المدينة. أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين باراً فيه. حاشا لك أن تميت البار مع الأثيم".


أديان كل الأرض تصنع عدلاً. فقال الرب إن وجدت خمسين باراً في المدينة فإني أصفح عن المكان كله لأجلهم. فأجاب إبراهيم وقال: إني قد شرعت أكلم والمولى وانا تراب ورماد.

ربما نقص الخمسون باراً خمسة. أفتهلك كل المدينة بالخمسة. فقال لا أهلك إن وجدت هناك خمسة وأربعين. فعاد يكلمه وقال: عسى ان يوجد هناك أربعون. فقال لا أفعل من أجل الأربعين. فقال لا يسخط المولى فأتكلم. عسى ان يوجد هناك ثلاثون. فقال لا أفعل إن وجدت هناك ثلاثين. فقال إني شرعت أكلم المولى، عسى أن يكون هناك عشرون. فقال لا أهلك من أجل العشرين. فقال لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط. عسى ان يكون هناك عشرة. لا أهلك من أجل العشرة...".


اصدقائي وإخوتي في لبنان كونوا أنتم العشرة الأبرار.


أود أن أختم بمن بدأت، يقال عن غاليليو قوله:

"لا يمكن لي أن أؤمن بأن الله نفسه الذي وهبنا إدراكاً وعقلاً وفكراً، أراد منا ألا نستخدم هذه المواهب".


المحامي الياس عقل خليل


75 views0 comments