top of page

اِسمع تفرح، فكّر تحزن



يُضحكني المحلّلون السياسيون والخبراء العسكريون، حين يركّزون بـِ "ثقّة كبيرة" على تأثير أميركي – إيراني في مجريات حرب غزّة، أو على حاجة إسرائيل لضوء أخضر أميركي قبل أن تُقدم على أيّ حرب شاملة ضدّ حزب الله. أمّا أسخف التحاليل فهي تلك التي يسترسل فيها أصحابها من دون أن يحسبوا أنّ لإسرائيل كلمتها في ما سيحصل، وموهِمين الناس بأنّ قرار إسرائيل تتحكّم به أمريكا، ويخضع لمصالح أمريكا الاستراتيجيّة في الشرق الأوسط!!! تحاليل فارعة لا تعدو كونها "تمنّيات"، كي لا أقول "غباء شائع".

إذا تناولنا الحروب الأساسيّة بين إسرائيل والدويلات في لبنان، نجد أنّ إسرائيل والولايات المتّحدة كانتا دائمًا على خلاف في الاستراتيجيات وفي مقاربة الحلول.



في العام 1978؛

أطلق الإسرائيليون عملية "حجر الحكمة" واجتاحوا لبنان في 15 آذار. غضب الرئيس الأميركي حينها، جيمي كارتر، من تصرّف الإسرائيليين وكتب في مذكّراته: "إن ذلك تعارض مع خمس عشرة أولوية أخرى". ووصف كارتر العمليّة بأنّها "رد فعل مبالغ فيه". وزير خارجية أميركا، سايروس فانس، أبلغ الإسرائيليين بأنّ بلاده ستسعى لاستصدار قانون عن مجلس الأمن ضدّ ما قاموا به، وبالفعل جاء القرار 425 الذي أسّس له الأميركيون، وأَرغمَ جيش الدفاع الإسرائيلي على الانسحاب من كافة الأراضي اللبنانيّة.

في العام 1982؛

في 16 أيّار، حسم مجلس الوزراء الإسرائيلي أمره بشأن اجتياح لبنان وطَرْد منظّمة التحرير الفلسطينيّة منه. توجّه وزير الدفاع الإسرائيلي، أرييل شارون، إلى واشنطن لوضع إدارتها بأجواء التطوّرات الميدانيّة، وبقرار حكومته بالاجتياح، غير أنّ الديبلوماسيّة الأمريكيّة رفضت الخطوة، لا بل اعتبرتها تُعرّض العلاقات الأميركية – الإسرائيلية للخطر، في تهديد مبطّن لشارون الذي أجاب ببرود: "لم آتِ إلى واشنطن لاستئذانكم، بل لإفهامكم ودّيًا، كحلفاء لنا، بقرارنا كي لا تتفاجأوا".



وقبل مغادرة شارون واشنطن، أبلغه وزير الخارجية، ألكسندر هيغ، رسالة واضحة لرئيس حكومة إسرائيل، مناحيم بيغن، يدعوه فيها إلى "ضبط النفس كليًّا"، فكان ردّ بيغن صاعقًا: "لم يولد بعد الذي سيحصل على موافقتي حتّى أشهد قتل اليهود على يد عدوّ متعطّش للدماء". عاد ألكسندر هيغ وأيّد الاجتياح على عكس مشيئة إدارته، قبل أن يستقيل من منصبه في 5 تموز 1982. ويوم استقال، قال فيليب حبيب "أصبح بإمكاني العمل بحريّة في الشرق الأوسط "، والعمل بحريّة يعني مناكفة الإسرائيليين.

مَن لم يُعايش جولات فيليب حبيب المكّوكيّة في تلك الحقبة، بإمكانه أن يتخيّلها بعض الشيء إذا تابع تحرّكات آموس هوكستين اليوم. عامذاك، ولمّا بلغ الجيش الإسرائيلي طريق الشام، وأحكم الخناق على بيروت الغربيّة، حصل اجتماعان في اليرزة بين فيليب حبيب وأرييل شارون للبحث في الخطوات اللاحقة. تُفيدنا الوثائق والمعلومات بأنّ الرجلين كانا غير منسجمين وكانا يقاربان الأحداث من زوايا مختلفة. حبيب يريد إنقاذ منظمة التحرير من مخالب الإسرائيلي، لكنّ شارون كان له بالمرصاد ولم يتجاوب مع أيّ من مناوراته. اقترح حبيب تجريد منظّمة التحرير من سلاحها وتحويلها إلى منظمة سياسيّة تعمل من بيروت، فأفهمه شارون أنّ لا مجال للتنازل في هذه النقطة، وأنّ على الفلسطينيين الرحيل وإلا سيُصار إلى تصفيتهم؛ "فنحن (الكلام لشارون) لم يعد في استطاعتنا تقبّل عدم رحيلهم، وفي وسعنا تصفيتهم من دون الدخول إلى بيروت". عندها فهم ياسر عرفات الرسالة وخرج من بيروت رافعًا رايات النصر الوهميّة.



هل هذا ما تقوم به اليوم إسرائيل في الجنوب؟ هل الحرب ستتحوّل إلى تصفية لكوادر حزب الله، أم ينتظر لبنان أكثر من ذلك في المرحلتين الراهنة والمقبلة!!؟

مَن يُريد أن يستشرف مستقبل لبنان، يجب أن يكون مطّلعًا على لبّ الصراع الاستراتيجي بين إسرائيل وأميركا.

في العام 1982 كانت تل أبيب تريد حسم نزاعها مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة في لبنان بمعزل عن أزمة الشرق الأوسط، طامحةً بذلك إلى "قيام حكومة مركزية قويّة في لبنان مرتبطة بالعالم الحرّ".

واشنطن كانت تُريد معالجة الأزمة القائمة ضمن إطار التسوية الشاملة للشرق الأوسط، وإبقاء منظّمة التحرير في بيروت، وترك لبنان ساحة مفتوحة لتصفية صراعات المنطقة على أرضه.

في المحصّلة انتصر خيار شارون وانعكست النتائج الإيجابية على لبنان في الواحد والعشرين يومًا التي تلت انتخاب الرئيس بشير الجميّل، لكن باستشهاد بشير، وبانحراف شقيقه أمين إلى استراتيجيّة الأمريكان، عاد لبنان ساحة، وللأسف كان ما كان.

منذ 7 أكتوبر 2023، يسعى الأمريكان إلى الفصل بين معركة إسرائيل في غزة مع حماس، ومعركتها مع حزب الله في جنوبي لبنان، وبمعنى آخر هم يجهدون لتجنيب حزب الله ضربة قاضية. أمّا الإسرائيليون فيُريدون حلُّا نهائيًّا وشاملًا مع الحركات الأصوليّة في المنطقة.



خيار مَن سينتصر هذه المرّة؟

إذا انتصر الخيار الأميركي بفكّ الاشتباك، تكون نهاية لبنان الذي نعرفه، وإلى جمهوريّة الملالي الإسلاميّة دُر.

وإذا انتصر الخيار الإسرائيلي قد يكون وضعنا كلبنانيين أصعب، إذ كانت إسرائيل في العام 82 تفصل بين دولة لبنان ودويلة منظّمة التحرير. اليوم، إسرائيل تضع الدولة والدويلة في السلّة نفسها، أو الأصح، الدولة اللبنانيّة وضعت نفسها في سلّة دويلة حزب الله، وأيّ قرار لإنهاء هذا الحزب سيطال الكيان اللبناني برمّته ولن يبقى مَن يُخبّر.

الوضع مأساوي وجودي إلى هذه الدرجة، ولا نزال نسمع "غيارى" لبنانيين منشغلين بالتضامن مع فلسطينيي غزّة ولبنان خلف ظهورهم، و "غيارى" آخرين يسجّلون انتصارات بمفهوم خاطئ لثقافة الحياة، إذ يُريدون أن يحتفلوا بموسم الصيف وبالمهرجانات "انكايِه" بحالهم وبشعبهم!!!!



اتّصلت بي اليوم سيّدة من الجنوب لتقول لي: "صار بالإمكان أن ترى مستوطنة "المطلّة" في إسرائيل بالعين المجرّدة من "القليعة" في لبنان، ما يعني أن قرية "كفركلا" اللبنانيّة مُسحت عن بكرة أبيها!!!! حال "كفركلا" هي حال معظم قرى الجنوب، ولم يجرؤ أحد بعد من المسؤولين أو الناشطين السياسيين اللبنانيين على تقديم شكوى دوليّة بحقّ حزب الله على الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها بحقّ لبنان، ولسان حال هؤلاء الجبناء؛ "ما عناصر الحزب هَودي لبنانيِه"، لكن مهلًا، يا ضِعاف النفوس، ألا تدرون أنّ لا لبناني يعلو فوق لبنان!!؟

ألم تُلاحظوا بعد كيف أنّ هتلر حارب حتّى تدمير برلين، وعرفات لم يخرج من بيروت التي احتضنته قبل تدميرها، وحسن نصر الأوهام هو من الفصيل النازي نفسه وسيتابع عنترياته حتّى الإجهاز على لبنان!!!؟

لعمري، نحن قوم مدجّنين لا نستحق لبنان.


يوسف الخوري

Commentaires

Noté 0 étoile sur 5.
Pas encore de note

Ajouter une note
bottom of page