دانيّال في صلب العقيدة المارونية



في كنيسة دير سيدة قنوبين بحنيّة اليمين رسم النبي دانيال في جب الأسود .

لماذا دانيال؟

ما هي علامة حضور نبيّ السبي في التراث و العقيدة المارونية ؟؟

معنى اسم دانيال: الله ديّان ، الله يحكم ، الله المقرر ،

فهو من الأنبياء الكبار في العهد القديم ، أشعياء ، إرميا ، حزقيال ، دانيال ،

و هو من كبار القوّم في المملكة الجنوبية لإسرائيل في زمن الملك يهوياقيم ، و هو إبن أحد النبلاء أو الشرفاء في مملكة يهوذا ، مُخضرماً. سبيّ دانيال إلى بابل عند سقوط أورشليم بيد الملك البابلي نبوخذنصر إلى بلاد الرافدين،

طلب الملك البابلي تأهيل أفضل و أنبل و أجمل و أقوى الشباب من أهل السبي ليقفوا أمامه في كرسيّ الحكم ، فأختير دانيال و ثلاثة فتيّان يهود ، أطلق عليهم فيما بعد الأسماء التالية:

شدرخ و ميشغ و عبدنغو ،

فكانوا الأربعة الأفضل في مجموعة بروتوكول الملك البابلي،

و تميّز الأربعة بإيمانهم التوحيدي السليم القويم و التمسك بشريعة الرّب و عدم الخضوع للتعليمات و القواعد المخالفة للعقيدة الإيمانية القويمة، حتى الموت ، فرفضوا التنعّم بأطايب الملك ، بل إلتزموا بما يُفرضه عليهم ناموس الرّب الكامل،و دانيال بحسب التقليد هو مُعلِم الثلاثة و مرشدهم الروحي، فتميّزوا كما ذكرنا بصلابة العقيدة و بعدم المساومة، بالإبتعاد عن مغريّات العالم الفاني ، الإلتزام بمواعيد الصلاة الثلاثة يومياً ، توجيه صلاتهم من (كوّتهم) في عليّتهم نحو أورشليم ، حيث (الشكينة) في هيكل الرب المقدس، أي مكان الحضور الألهي حيث ترفع صلاة البخور، "لِتقم صلاتي كالبخور أمامكَ و رفعُ يديّ كتقدمةِ المساء،،،،".

فبالرغم من أنهم أُسرى حرب و تحت سلطة غريبة عن رعوية إسرائيل،

و بالرغم من إبتعادهم عن صلاة الهيكل و خدمة تقديم الذبائح،

و بالرغم من إقامتهم في بيئة لا تُتيح لهم ممارسة الشعائر الدينية الليتورجية الخاصة بهم،

بقيوا ملتزمين بصلابتهم و عدم الخضوع و الخنوع للآلهة الوثنية التي لا تسمع و لا ترى و لا تشعر،"فمثلها يكون صانعوها و كلّ من إتكل عليها"،

بل عاشوا الأمانة في غربتهم الدنيوية برجاء حي لا يقبل التحريف، بعودتهم إلى مدينة الله العظيم خالق السماء و الأرض ، لبناء سورها و إعادة ترميم هيكلها حسب نبوءة إرميا النبي ،بالعودة من جديد إلى أورشليم بعد سبعين سنة، و هذا ما حصل حقاً في عهد الملك الفارسي (كورش) ،سفرا نحميا و عزرا بالعهد القديم.



فأيقونة دانيال في جب الأسود علامة حضور اللاهوت العبري البيبلي الليتورجي الأورشليمي في كُنه عقيدة و ليتورجية الكنيسة المارونية،

لاسيما أن دانيال قد تعرض لمكيدة من رفاقه الحُسّاد إذ وشوا به أمام الملك لجهة إيمانه و عقيدته و تمسكه بإلهه الحيّ و عدم الطلب أو الإستعانة بالوثن أو بالملك ، بل بقيّ يومياً كعادته يصعد الى عليّته و يوجه صلاته من كوّته إلى أورشليم طالباً من الرب القدوس القدوسين،

فكان الحكم عليه: رميّه في جب الأسود لتطحنه بأسنانها المفترسة،

رُميّ دانيال في الجب و بقي الملك صائماً لم ينم، لأنه أحب دانيال، فأتى الرب (و سدّ أفواه الأسود) ،

و أنقذ دانيال.

تميّز دانيال بالصلابة و التمسك بالعقيدة حتى الموت و تميّز أيضاً بالحكمة المعطاة له من السماء من فوق مباشرة، و تميّز دانيال بتفسير الرؤى و الأحلام و تميّز دانيال بتربيّة الفتيّان و تعليمهم و تثقيفهم، و تميّز دانيال بحبه و عشقه للقاء السيّد الرّب بركعاته الثلاث يومياً،

فهو رمزاً للإلتزام و الثبات و المواجهة و القداسة و العشق الإلهي و التكرّس.


من جماليات الفصل ٧ في سفر دانيال، رؤيته الرب يسوع المسيح قبل التجسد،

"كنت أرى في رؤى الليل و إذا مع سحب السماء مثلةابن إنسان أتى و جاء إلى القديم الأيام فقرَّبوه قُدامَهُ. فأعطيّ سلطاناً و مجداً و ملكوتاً لتتعبد له كلةالشعوب و الأمم و الألسنة . سلطانهُ سلطانٌ أبدي ما لن يزول و ملكوته ما لا ينقرض" (دانيال فصل ٧ آية ١٣ و ١٤)،



أعطاه السيّد الرّب رؤى مرعبة تتعلق بالبعد النهيّوي الإسكاتالوجي ، فكان يَخُر على وجهه رعباً، لشدة قوة الأحداث الأخيرة في اليوم الأخير ، فهو الرائي صاحب المعرفة المسبقة لكل الأحداث الأخيرة،

أما روعة هذا النبي في صلاته الإستغفارية، (ال حوسويو) في الفصل ٩ من سفره،

فوجه صلاته للمذبح مع وقت صلاة رفع البخور ، صائماً لابساً المسح و مكللاً رأسه بالرماد ، معترفاً للرب العظيم المهوب حافظ العهد و (الرحمة و الغفران) لمحبيه و حافظي وصاياه ،

بقوله :

أخطأنا

و أثمنا

و عملنا الشرّ

و تمرّدنا

و حِدنا عن وصاياك

و عن أحكامك،

و ما سمعنا من عبيدك الأنبياء (أرميا و أشعياء) الذين باسمك كلّموا

ملوكنا

و رؤسائنا

و آباءَنا

و كلّ شعبِ الأرضِ،

لك يا سيّد البِرُّ.

أما لنا فَخِزيُ الوجوهِ،،،،

صلاة دانيال قراءة تاريخية لخطايا قادة و أكليروس و شعب أورشليم و كل من هو في منصب، بسبب خيانتهم و تمردهم و عدم الاصغاء لشريعة الرب و عدم القيام بما تفرضه شريعة الله على فم موسى كليم الله،

أما الرهبان و النسًاك الموارنة فلقد إستقوا نظام عيشهم الإيماني من سيرة النبي الكبير دانيال،

مع التمسّك بالعقيدة النيقاوية و الخلقيدونية، الإبتعاد عن المغريات العالمية و التنعم بأطايب المدن و الاقامة في أعلى الجبال و المغاور و القلايات النسكية، مفضلين عار المسيح على التنعم الوقتي بذهب العالم الفاني،

مرددين مع أشعياء النبي "من أجله ألقي تبري (الذهب) على تراب الأوديّة".

إذاً تميّز الموارنة بالمقاومة و المواجهة في الدفاع عن عقيدتهم المسيحية بوجه كافة الوحوش المحيطة بهم، و مواجهة مع أعداء صليب ربنا يسوع المسيح.



كما أنه إتخذت الكنيسة المارونية في صلاة الشحيمة (٣ مرات يومياً) مستقيّة من صلاة العليّة لرجل الله الكبير، نظاماً ليتورجياً أورشلمياً وفقاً لنظام العبادة في هيكل الله القدوس، الجالس على العرش في غيّاب و وفاة و شغور كرسيّ الملك، إذ الملائكة ذوي الستة أجنحة تسبحه بثلاثية التقديس ، قدوس قدوس قدوس رب الجنود الذي لا يموت إرحمنا ،

(أشعياء فصل ٦)

قاديشات آلوهو ،،،.

و ما يلفت النظر أيضاً بصلاة دانيال ،المحبوب من الرب، بحسب قول الملاك جبرائيل، إعترافه بالخطايا عنه و عن الشعب.

فرئيس الأحبار يقدم الذبيحة عنه أولا و عن الشعب ثانياً (الرسالة الى العبرانيين)،و بحسب

قول مار بولس في (رسالته إلى أهل روما ٣ : ٢٣) " إذ الجميع أخطأوا و أعوزهم مجد الرّب".

أما عبارة فلنا خزيّ الوجوه ، هو الاقرار بأحقيّة تأديب الرّب للجميع بسبب السقوط و التعدي.


شخصية دانيال العليمة و الحكيمة و الصلبة و المقدسة و المجاهدة و الملتزمة و المتعلمة ، كانت مثالاً للموارنة في كل مفاصل تاريخهم الخلاصي و الزمني.

ففي مسيرتهم المجمعيّة دوماً يعودون لقراءة أخطاء الماضي و تحديد مواطن الضعف و القرارات الخاطئة.

و تمتعوا بالجرأة الأدبية المارونية في تسميّة الأمور بأسمائها، في كل سينودس خاص بها،

و هذا ما حصل في السينودس لأجل لبنان سنة ١٩٩٧، إذ إعترف الموارنة بأخطائهم لعدم تكرارها و العودة إليها و أخذ العِبر و الدروس العملانية في المستقبل، لتمجيد الرب في حياتهم و مسيرتهم المجمعيّة المنقادة بالروح القدس،

و قد أوكلت إلى النبي دانيال مهمة وزارة المال، من زمن نبوخذنصر إلى زمن مادي و فارس، فمع أنه تغيّر الحكم و الحكام و هويتهم، لم يتخلَ عنه، كونه واضع أسس و أنظمة الأقتصاد المالي و مُعد الموازنات لأكبر الأمبراطوريات في العالم، فهو العالم الملفونو في النظام المالي العالمي ،

هكذا الماروني على مثال دانيال أصبح مثالاً للفهم و المعرفة و الحكمة في القارة الأوروبية، و بات يضرب به المثل (عالمٌ كماروني).

كما تميّز سفر دانيال بأقسامه و فصوله،

فنرى المقدمة و الأحداث و العقيدة و الرؤى و الإستغفار و العودة الى القانون الألهي و حضور المسيح منذ القديم و فيما بعد التنبوء عن قطع المسيح الرأس و موته،

قسمان رتبتان:رتبة كلمة و رتبة إفخارستيا.

أخيراً و ليس آخراً، النبي دانيال أنقذ حكماء بابل من الإعدام لعدم معرفتهم تفسير حلم الملك البابلي (ص٢)،

و طلب من الملك العفو لهم بعد تفسير الحلم بقوة و حكمة الله السماوية.

و هكذا الموارنة كانوا عبر التاريخ القديم و الوسطي و الحديث و المعاصر ، كدانيال النبيّ يُنقذون الممدودين للموت ففتحوا أبوابهم لكل الإتنيات المضطهدة في الشرق الأدنى.


و تبدو الكنيسة المارونية هي كنيسة الرجاء إذ تنظر دوماً لفوق لأورشليم السماوية و تحيا غربتها بخوف الله و إحترام الخليقة، و تعمل دوما بدون كلل لتوسيع ملكوت الله في قلوب البشر.


صلاة: أيها الآب القدوس البار لك أرفع صلاتي باسم إبنك يسوع المسيح قدوس القدوسين، شاكراً و معظماً عمل نعمتك المجانية في وسطنا و لأجل غفرانك و رحمتك الأبدية لشعبك، لأنك إله غفور و محبٌ للبشر، أعطنا نعمة الروح القدس لتكون مسيرتنا المجمعيّة وفقاً لإرشاداتك و إلهاماتك السُميا، لنمجد إسمك من الآن و الى دهر الدهور آمين،

الخوري شارل كساب

37 views0 comments

Recent Posts

See All