top of page

شرق أوسط جديد من دون مسيحيين . بقلم المخرج يوسف ي. الخوري


في العام 1975 كانت المؤامرة، والمؤامرة كانت في توطين الفلسطينيين، والفلسطينيون وأعوانهم؛ من أهل السنّة، وأحزاب الحركة الوطنيّة، والعرب، والاتّحاد السوفياتي، ودول القرار الغربيّة، والتنظيمات الارهابيّة العالميّة...الخ، كانوا هم المؤامرة.

في المقابل كانت أحزاب الجبهة اللبنانيّة، وأحزاب الجبهة كانوا المسيحيين، والمسيحيون هم "بَيّ الصبي" المُتآمَر عليه، صمدوا وقاوموا دفاعًا عن الأرض والكيان، وحالوا دون توطين الفلسطينيين.

اليوم، تأكّد وجود مؤامرة جديدة عنوانها "تشييع الشرق الأوسط"، فكيف تمرّ هكذا مؤامرة ولا يزال المسيحيون رابضين هَهُنا، في لبنان؟

يُدرك اللاعبون الدوليون والاقليميون على الساحة اللبنانيّة، أنّ جرّ المسيحيين إلى مشكل وصدام، هو غير مضمون النتائج لناحية كسرهم تمهيدًا "لِـتشييع" المنطقة، تمامًا كما أنّ التوطين لم يمرّ معهم في العام 1975، وأنّ الأجدى نفعًا للمتآمرين الخونة، وهم تحديدًا شيعةُ حزب الله، هو إرهاب المسيحيين بشتّى الوسائل حتى تدجينهم، فييأسون ويستسلمون، وعندها، إما يرحلون متخلّيين عن إرثهم وأرضهم، وإمّا يموتون بصمت، على غرار ما حصل لمسيحيي العراق وسوريا.

عندما اندلعت حرب الـ 75، أذكر أنّه راجت في المناطق المسيحيّة مقولة مفادها أنّ صمود مسيحيي لبنان يعطي زخمًا لمسيحيي المشرق ومصر، أما انهزامهم فسيعرّض مصير كلّ مسيحيي المنطقة للخطر. اليوم، اختلف الوضع، وهزيمة مسيحيي لبنان سترتد سلبًا على كلّ مِلَل واثنيّات الشرق الأوسط.



فيا سيّد وئام وهّاب، كفاك ترهيب الموارنة وتخويفهم بالأسوأ في حال مُسّ باتّفاق الطائف، وحريّ بك الخشية على دروز لبنان من حلفائك الممانعين المتّشحين بالتقيّة، فأنا أؤكّد لك أنّه في حال تمّ ترحيل الموارنة على ظهر قطار في العربة "نمرو 1"، لن تنفعك بعدهم أوراق اعتمادك لدى حزب الله ولا اعتزازك بصداقة نظام البعث، وستكون العربة "نمرو 2" من نصيب إخواننا الدروز.

ويا وليد بيك، مع الموارنة والمسيحيين يعتبرك اللبنانيون صاحب الأنتينات الطويلة والمتنبّي البارومتري في السياسة الذي يعرف كيف يركب الموجات، بينما بزوالهم ستُصبح صاحب القرون الطويلة التي سيجرّك منها حزب الله ليلفظك، وأخشى عليك من مصير اسود كمصير والدك على يد هؤلاء الذين اعتبرتهم بالأمس مكوّنًا لبنانيًّا.

ويا أهل السنّة أصحوا وكفّوا عن استهداف المسيحيين وأنتم اليوم المُستَهدَفون. اتّفاق الطائف الذي هزمتم به الموارنة لن يُجديكم نفعًا في مواجهة إيران النوويّة، والعربة "نمرو 3" في قطار الترحيل ستكون من نصيبكم.

ويا أيّها الشيعة اللبنانيون، أمامنا، وفي الخفاء، تتباكون وتعبّرون عن امتعاضكم ورفضكم لهيمنة الثنائي الشيعي على طائفتكم، لكنّكم غالبًا ما تستفيدون وتتباهون بفائض قوة هذا الثنائي الذي يضمن لطائفتكم البحبوحة والأمان على حساب باقي اللبنانيين. تريدوننا شركاء في الوطن، تخلّوا عن الازدواجية وجاهروا بلبنانيّتكم وإلّا مصيرُكم العربة "نمرو 4" شانكم شأن الآخرين. وقبل ان يفوت الأوان ويفوتكم قطار الترحيل وتقعوا لقمة سائغة بين براثن حزب الله، تذكّروا مصير الليبراليين والقوميين الإيرانيين الذين ناصروا ثورة الخميني ثمّ عادت وبلعتهم، فأوّل رئيس للجمهوريّة الاسلاميّة، أبو الحسن بني صدر، نُكّل به ونُفي! وأوّل رئيس للوزراء، صادق قطب زادة، تمّ إعدامه!



أما أنتم يا فلول اليسار المعفّن، وبقايا الحركة الوطنيّة النتنة، وجهابذة العلمنة وإلغاء الطائفيّة السياسيّة، فمصيركم لن يختلف عن مصير رفاقكم حين ردعهم وروّعهم وقتلهم حزب الله لثنيهم عن مقاومة إسرائيل، أواسط ثمانينيات القرن الماضي. وإذا كنتم تتنكرون لتلك الوقائع نكايةً بالموارنة، فلا تنسوا ما حلّ بأترابكم الشيوعيين والاشتراكيين الذين قُتل وأُعدم منهم على يد ملالي الخميني أكثر من 12,000 (اثني عشر ألفًا) بعدما كانوا من أشدّ المناصرين للثورة الاسلاميّة.

إنّ ما يتعرّض له المسيحيون اليوم من محاولات التدجين لدفعهم إلى اليأس والاستسلام ومن ثمّ الرحيل، ليس وَليد الأمس، وإنّما يَعمل عليها حزب الله، وخلفه ايران، بشكل ممنهج وهادف منذ نشوئه، فاستهل مسيرته بالتسلّح والانفصال عن البيئات اللبنانيّة الاجتماعيّة، وبالتوازي راح يُعزّز ثقافته الدينيّة داخل بيئته والعمل على تغيير الهوية اللبنانيّة على يد مجموعة مؤرّخين شيعة تمّ تدريبهم في ايران، حتّى وصل الأمر بأحدهم إلى الادّعاء بعدم وجود جبل لبنان، بل "جبل سرحان"!

بفعل تأثير سلاحه غير الشرعي، بدأ الحزب ببناء تحالفاته مع باقي الأطياف الطائفيّة، والتمدّد على باقي الأرض اللبنانيّة من خلال وضع اليد بالترهيب والترغيب على أراضي الأوقاف المسيحيّة، وتحويل ملكيّة مشاعات جبل لبنان إلى الدولة المركزية التي يسيطر عليها.

بموازاة كلّ ذلك، أرسى حزب الله شبكات للتأثير والتضليل قوامها جيش الكتروني وابواق اعلاميّة تروّج لسياساته وأهدافه، حتّى أنّه نجح في تخضيع معظم وسائل الاعلام والتواصل في لبنان واستخدامها لصالحه. هكذا سيطر هذا الحزب الملاليّ على كامل مفاصل الدولة، وهو اليوم على قاب قوسين من فرض ثقافته الدينيّة على اللبنانيين، وفرض خطّه السياسي على كلّ الزعامات اللبنانيّة، الأعداء من بينها قبل الحلفاء، لدرجة أنّها انجرّت خلفه في بدعة "شعب جيش مقاومة"، وحيّدت سلاحه في القرار الدولي 1559، ومنعت تسليط الفصل السابع عليه في القرار 1701.



هذا ليس كلّ شيء، بل هناك أكثر بكثير، لكنّ الأخطر يكمن في أنّ الزعامات الحزبيّة والبرلمانيّة، والقوى الاقتصاديّة والمصرفيّة، باتت مجتمعة أدوات فاعلة في تدجين الشعب اللبناني وتجويعه وتهجيره وسرقة مدخّراته، تعزيزًا لسيطرة حزب الله على لبنان.

ما كان شيء ممّا سبق ليمرّ لولا تخلّي الزعامات المسيحيّة، لاسيّما المارونيّة، عن دورها كـَ "بيّ الصبي". حين نكّل الاحتلال السوري بهذه الزعامات، سجنًا ونفيًا وتهجيرا، وروّع المسيحيين وغيرهم من اللبنانيين، صمد العامة المسيحيون، وناضلوا حتى أخرجوا السوريين من لبنان وأعادوا الشعلة لزعمائهم، لكنّ هؤلاء الزعماء أطفأوا الشعلة، وعادوا يتلهّون بخلفاتهم الشخصيّة، وزادوا المسيحيين شرذمةً وانقسامًا وضعفًا، ما أتاح تمكّن حزب الله أكثر فأكثر من آليّة صنع القرار في لبنان، وهذه جريمة سيسطّرها التاريخ بحقّ المسيحيين حتّى يوم القيامة.

بطريرك الموارنة لم يُغلق بعد أبواب بكركي في وجه حزب الله المحتلّ، لا بل على العكس، استقبل بالأحضان موفدًا من قبل الأخير حضر للتهنئة بعيد الميلاد، وكأنّ هذا الحزب لم يعتدِ بالأمس القريب على أراضي المسيحيين في رميش، ولم يغتصب أراضي أبرشيّة جونية المارونيّة في لاسا، ولم يُصادر على طريق المطار أرضًا ( 100 ألف متر مربّع) تابعة لمطرانيّة بيروت وبنى عليها مسجدًا ومستشفى.

ويوم عيد الميلاد أيضًا، وقف البطريرك الماروني يتقبّل التهاني بالمناسبة وإلى جانبه رئيس ونوّاب ومسؤولي التيار المسيحي الذي يُفاخر بتحالفه مع حزب الله المغتصب، ناهيك عن أنّ رئيس هذا التيار بحقّه عقوبات دوليّة.

رئيس الحزب الأكثر شعبية وتنظيمًا في الأوساط المسيحيّة، وصاحب أكبر كتلة برلمانيّة، لم يتوانَ عشيّة الانتخابات النيابيّة الأخيرة في اتّهامنا بالتآمر لأنّنا كنا ندعو إلى مقاطعة الانتخابات كون نتائجها ستشكّل غطاءً لحزب الله الخائن، وكان هذا الرئيس يؤكّد على أنّ بإمكانه التغيير بالسياسة من داخل النظام، ليتراجع بالأمس ويصرّح بأنّه قد نصل إلى طرح نظام مختلف "لَيبطّل حزب الله يتسلبط على اللبنانيين، والله يوفقُه مطرح ما هوّي"، أيّ إنّه اقتنع أخيرًا بعجزه عن التغيير من الداخل مع المحتلّ، وعلى ما يبدو أنّ لا مانع لديه من ترك أجزاء من لبنان لينعم فيها المحتلّ. والنِعَم، المُغتصب يغتصب ونحن نقدّم له زيادة.

وريث الشمعونيّة يقول إنّه "لا يستطيع أن يُنكر أنّ حزب الله حرّر الجنوب". ألَم ينتبه صاحبنا الوريث أنّ اعترافه هذا هو بمثابة إقرار بأنّ الشمعونيين الجنوبيين هم "عملاء"، إذ، وعلى مدى ربع قرن، كان هؤلاء يشكّلون القواعد الأساسيّة لجيش لبنان الجنوبي الذي يزعم حزب الله أنّه "حرّر" الجنوب منهم، ويتّهمهم بالعمالة لإسرائيل!!؟



امّا سليلة بشير الجميل، فهناك الإبداع!! هي ترفض السلام مع إسرائيل قبل أن تُحلّ القضية الفلسطينية ويعود الفلسطينيون إلى ديارهم. رجاءً، هل يُمكن لإحداكنّ أو لأحدكم أن يُخبر هذه السليلة أنّ لا دخل لنا في الشأن الفلسطيني، لاسيّما أنّ القيادة الفلسطينيّة نفسها تتحاور مع إسرائيل!!؟

وهل يُمكن لإحداكن، أو أحدكم، أن يُخبّر حامل راية المردة الماروني بأنّ في الحياة ما هو أهم من أن يفتخر بانتمائه إلى خطّ الممانعة، وبصداقته مع آل الأسد البعثيين الذين أمعنوا في قتل شعبه وشعبهم، وفي حقّهم عقوبات دوليّة ستلاحقهم إلى أولاد اولادهم؟

أمام هذا العرض الموجَز لإنجازات أتباع الوالي الفقيه، وأمام تخاذل واخفاقات الزعامات الروحيّة والزمنيّة المسيحيّة، وتحديدًا المارونيّة، قد يتساءل القارئ كيف أنّ المسيحيين في لبنان لم ينقرضوا بعد! ببساطة، لأنّ المسيحيين، في الدرجة الأولى، ليسوا ضعفاء كما يُخيّل للبعض، ولأن قوّتهم وحضورهم غير مُستمَدَين من زعاماتهم الفاشلة.

المسيحيّون في لبنان هم اليوم أقوياء، لأنّ وجودهم وتمسّكهم بهويتهم الثقافيّة هو العائق الأخير أمام اكتمال خطّ الممانعة بين طهران وبيروت، والذي باكتماله سينشأ خطّ تماس فاصل بين بلاد الشام والجزيرة العربيّة، وسينفرط العقد العربي وستشتعل حرب الألف عام بين السنّة والشيعة. هل يتحمّل العالم التخلّي عن هذا العائق المسيحي؟



هذا في الإقليم، أمّا في الداخل فقوّتهم تكمن في حاجة حزب الله لبقاء الدولة ولو شكليًّا، واستمرارية الدولة تقوم بشكل أو بآخر على الجباية وجلب الاستثمارات، فإذا كان المسيحيون هم مَن يغطّي الجبايات بنسبة 70% ويستفيدوا منها بنسبة 12% فقط، بينما يستفيد منها الآخرون، وعلى رأسهم بيئة حزب الله الشيعية، بنسبة 88%، فكيف يُستغنى عنهم؟؟ وإذا كان المسيحيون اللبنانيون هم مَن يأتي بالاستثمارات إلى البلاد، خصوصًا بعد اخفاق الحريريّة التجاريّة ووقوع حزب الله تحت المقاطعة الدوليّة، أفلا يُصبح التخلّص منهم بمثابة انتحار جماعي للبنان ومَن فيه؟

شرق أوسط من دون مسيحيين كما يخطّط له البعض، سيكون شرق الحروب والانقسامات والقتل والدمار.

آن الأوان لكي يعي المسيحيون أهميّة دورهم وقوّتهم. هم ليسوا أداة رخيصة يستغلها المحتلّ ليضمن استمراريته، بل هم أصحاب الملك، ومن واجبهم تحرير الدار وتأمين الرخاء والكرامة والحريّة لشعبهم وللبنان.

صار بدها جبهة لبنانية.



69 views0 comments
bottom of page