مجــــــــــــــد لبنان : المؤسسات المارونية ( فصل ثانٍ وأخير ) بقلم بسام ضو

Updated: Aug 11


الموارنة أمةٌ عظيمة تطوّرت منذ نشأتها من خلال أصالتها الدينية التي أنبتتْ قدّيسين أمثال شربل – الحرديني – رفقا – إسطفان نعمة والتعداد يطول . تطورّت المارونية من خلال أصالتها الوطنيّة حيث ترتكز إلى نشأتها الخلقيدونية وهي المنطلق الوحيد لحيوية جديدة تضاعفت مع الزمن حتى أصبحت أصالة وطنية أفرزت لبنان الكبير . الموارنة برهنوا دومًا عن أصالتهم من كل النواحي حيث برز العنصر الشخصي الصلب وسيطر على تصرفاتهم الواعية مبيّنين تمّسُكهم الصامد بالخط الفكري الخلاّق والتراث السرياني الماروني . أنّ تجسيد الفكر الماروني الخلاق هو أنجح تجسدات الفكر العملي والتركيب السياسي في هذا الشرق لأنّ المارونية إستطاعت أن توّحد في ذاتها الثقة المطلقة بالإنسان المتطوّرْ المتجدِّدْ والأمانة الكُبرى لخطّها الفكري السياسي – التاريخي – الحضاري . تاريخيًا لجأ الموارنة عندما ضاقت بهم سُبُلْ العيش وعندما لم يَعُدْ البقاء حيث كانوا إلاّ على حساب خطّهم وفكرهم ، نزحوا إلى بلاد أخرى وعمليًا لجأوا إلى فينيقيا الأمّة اللبنانية الآمنة ، بالرغم من وعورة مسالكها وشظف معيشتها الجبلية وسكنوا الجبال والوديان وضفاف نبع العاصي وآثارهم باقية وظاهرة ومدرسة تاريخ . من الجبل توّسعوا إلى جهة الأرز والعاقورة وإستطونوا الجبل المقدّس ، ووصلوا إلى البحر منفذًا لهم ومارسوا كل أعمالهم كما مارسوها خارج الفينيقية لبنان . وترّسخت أصالتهم المارونية بعد أن إستوطنوا الجبال اللبنانية وألّفوا أمةً لبنانية ذات سيادة مطلقة وحافظوا على كيانهم بفضل تضامنهم وإلتفافهم حول رهبانهم والإكليروس حتى ألّفوا الأمة العملاقة وتمّكنوا بفضل جبروتهم وعزيمتهم من صـدّ الزحف وفشل الغزاة. وبفضل حنكتهم السياسية إستطاع الموارنة أكتساب عطف وموّدة الأمـــراء الشهابيين السُنيين وتعاونوا لِما فيه خير ومصلحة الطرفين . وأستشهد بما قاله الدكتور كمال الصليبي في بحثه عن المورانة :" إنّ الموارنة الذين تمّكنوا عبر العصور وهم الشعب الصغير ، من المحافظة على هويتهم التاريخية بالثبات والكفاح والخبرة ، والحكمة في إنتقاء الأصدقاء والحلفاء والتفاهم والوفاء ... تمّكنوا من المساهمة في خلق وطن يضمن الحقوق لأبنائه .... والجمهورية اللبنانية التي تجمع اليوم بين اللبنانيين على إختلاف مذاهبهم ونزعاتهم تستمِّرْ عن وعي في حمل الرسالة التي حملها الموانة في الماضي تلقائيًا ". إنّ واقع الموارنة اليوم نقيض تاريخهم الحافل بالبطولات ومراحل التعايش والحرّية ، والوضع السيء يستدعي منّا حاليًا التطرّق لأوضاع لبنان العامة وعمليًا الموارنة تفككوا وتبعثروا ويكادون يلغون ذاتيتهم التاريخية ، وهم فعليًا حركة منقسمة على نفسها تتأرجح بين أيدٍ غريبة ، وتبدّلت نظرتهم السياسية القديمة وإحتلت العمالة مصدر سياستهم ولا داعي لكشف الكثير من هؤلاء الفاسدين خُلُقيًا وفكريًا ، إضافةً إلى أنّ القرار الماروني مُصادر وليس بيد أصحاب الكفاءات والمقدّرات الرصينة . الموارنة هم فريسة زعماء فاسدين محبطين ومتلوّنين وبائعي ضمير عبثوا بقومية لبنان وسيادته وهويته ، ومنقسمين والتجزئة الوطنية سيّدة الموقف بين مغتصبي القرار الماروني ، ذلك أنّ سياساتهم الفاشلة المتحجّرة كرّست حتمًا هذه التفرقة والتجزئة المارونية . للأسف مرحليًا المارونية السياسية أقْصِيَتْ عن فعل ممارسة السياسة الحرّة صاحبة المواقف الحرّة الجريئة السيادية ، وإنّ أخطر ما في هذا الأمر ذلك التهجير الممنهج للفكر الماروني ، وما يجري هو إستكمال للحرب على الحضور الماروني أي بصريح العبارة ضرب المارونية السياسية في مهدها لتأكيد أنها إندثرت ... وهذا الخلل الحالي يُستكمل بإحداث خلل آخر هو الرهان على من هم كانوا سبب الأزمة أصحاب الوجوه الصفراء من الموارنة . ولكل من يرغب في توضيح الصورة وبُعدًا عن أي غاية غريزية أو تذكية الخلافات فسأعود بالذاكرة إلى الرسالة التي وجهّها غبطة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير ، في 4 نيسان 1990 وبعد مرور حوالي الشهرين على إندلاع الحرب بين سمير جعجع وميشال عون حيث عقد مجلس الأساقفة الموارنة إجتماعًا برئاسة البطريرك صفير وأوفدوا المطران رولان أبو جوده والمطران بولس الجميل إلى ميشال عون وسمير جعجع وسأختصر بنود الرسالة كما يلي : ".... وشعورًا منّا بواجبنا كرعاة للكنيسة المارونية التي تنتميان إليها وبمسؤوليتنا الرعوية تجاهكما وتجاه أبنائنا الروحيين الذين نكبتهم هذه الحرب وهدّمت بيوتهم ومصادر أرزاقهم وشرّدتهم على الطرقات والعالم ، فهاموا على وجوههم يتآكلهم اليأس ويُهاجرون بالمئات كل يوم ، ممّا سيُفرغ هذه


المناطق من سكانها ويُهدِّدْ بالتالي مصير المسيحيين في لبنان والشرق ويقينًا منّا أنكما لم تبغيا من محاربة أحدكما الآخر سوى رأي يزعم صاحبه أنه يهدف إلى المحافظة على حقوق المسيحيين في وطن يتساوون فيه مع سواهم من المواطنين في جوّ من الحرية والسيادة والإستقلال الناجز والتام ، لكن النتائج جاءت عكس ما تُصرحان به .... وإذ كنتما تعجزان عن الإتفاق ، فإنّ واجبنا الضميري يُملي علينا أن نقول لكما بمحبة وإخلاص ، أنّ إستمراركما في تحمُّل المسؤولية هو إستمرار لتهديم الوجود المسيحي في لبنان وعمره ألفا سنة وبالتالي تهديم الكيان اللبناني" . للذين يرغبون في الإطلاع كاملاً على مضمون تلك الرسالة فما عليهم سوى التواصل مع الأرشيف في الصرح البطريركي أو الإطلاع عليها عبر كتاب : سيرة البطريرك صفير للكاتب أنطوان سعد الصفحة 302 . اليوم كموارنة نعيش أزمة حقيقية ، كل سياسي ماروني هو تبعي إرتهاني وليس متحررًا بل مُقيّد خلافًا لِما يُشاع من حرية في التفكير والتخطيط والممارسة . هناك خواء فكري وروحي وثقافي جعل المارونية السياسية حاليًا تتبنى الفكر الإرتهاني والذي يقوم على أنا ومن خلفي الدمار ، ومن حقّي أنْ أنهب وأسرق وأرتهن وأفعل جميع الفواحش وعلى كافة الصعُد ومن حقي أن آخذ كل ما تطاله يدي و خاصة في غفلة القانون ، فلا محاسبة ولا من يحزنون . بعد هذه الحالة المترّدية ألا يحق لنا كباحثين وناشطين سياسيين موارنة أنْ نسأل عن تاريخنا المُشرّف وحاضرنا الخجول والميأوس منه ؟ يا سادة روحيين وزمنيين ( وهنا أقصد الشرفاء منكم والأوفياء للمارونية السياسية ، وليس أصحاب الأدوار الزائفة أو المستغلّين أو الطيور الموسمية ) ، إنّ مقياس الأمة المارونية هي في مستوى فكرها البنّاء والحضاري اللذين يجعلانها تخطّ لنفسها طريقًا تأخذ على عاتقها إتباعه وتحقيق مضامينه وقيمة الإنسانية المتطورة . وسنسعى إلى إعادة تكوين مؤسسات مارونية عملاقة تُقاس بصدق تشبُثِها بعقيدتها الصامدة مع الأجيال وبأصالتها الصادقة . ومؤسسات مارونية تعتبر وجودها هادفًا وملتزمًا ، حيويًا تجعل من لبنان إطارًا ذاتيًا مكملاً للكيان في الزمان والمكان . مؤسسات مارونية تشمخ على العصور وتزدري كل قوة طامعة ، فلا تهاب أي حرب والإضطهاد والتنكيل ، بل مؤسسات تصمد في مسيرتها التاريخية وراء عقيدة كُتِبتْ بحروف العنفوان والمجد.



1 view0 comments