موارنة ونفتخر




منذ القدم، تلازم إسم الموارنة مع رمزية نهر العاصي وصلابة المردة. فنهر العاصي إرتبط إسمه بمغاور الرهبان القادمين من سوريا في القرن الخامس، وبتسمية المردة العائدة الى مجموعة المحاربين المسيحيين الذين عرفوا منذ ما قبل سطوع نجم الموارنة بإستبسالهم عبر العصور في الدفاع عن وجودهم وارضهم ورسالتهم المسيحية ليعودوا ويلتحقوا بالبطريرك الاول للموارنة "يوحنا مارون" في القرن السابع.

شكل نهر العاصي بمياهه الهادرة رمزاً للحياة بالنسبة للإنسان والارض عبر التاريخ، واضحى تلامذة مارمارون الذين أسسوا وتوسعوا بحفر الصخور، اول دير لهم تحت مسمى "مغارة الرهبان"، في قلعة مكونة من مغاور مجوفة اصلاً بالصخور المجاورة للنهر، نموذجاً لصورة المسيح وسيرته كما شكلوا الباعث الاساسي للحياة الروحية لمجمل محيطهم، ولكل إنسان يرى إنعكاس وجه الله المخلص والخالق في وجوههم.

في منتصف القرن السابع، أنتخب "ماريوحنا مارون" بطريركاً على لبنان، فبادر الى تنظيم صفوف الموارنة على كافة الصعد الوطنية والكنسية والإجتماعية والعسكرية، ليتحول الجبل بعد ذلك الى حصن منيع في وجه الغزاة والفاتحين، وأهمها الفتح العربي الذي رغم سطوته التي وصلت الى ابواب اوروبا، عجز عن إحتلال الجبل. في تلك الايام، وُسِمَتْ حياة البطاركة الموارنة بالتقوى والقداسة والتقشف والزهد والإنتماء الوطني الصلب، حتى قيل فيهم يومها "أن عصيهم من خشب وقلوبهم من ذهب". وقد تعرض الموارنة، خلال تلك الحقبة الصعبة، لنكسات عدة طبعت تاريخهم مع صلابة جبال لبنان الوعرة ووديانه العميقة. كما يسجل المؤرخون، النفوذ المميز الذي كان يتمتع به البطريرك لدرجة أن مجرد إطلاقه للنفير في زمن الحروب كان يتزامن مع إستدعاء المقدمين وفرسانهم من كافة المناطق وكان عددهم حينها يصل الى حوالي عشرين الف مقاتل. وفي الكثير من الأحيان، كان البطاركة يتعرضون للخطر المباشر والإضطهاد، وبعضهم كان يأبى إلا ان يسير بعصاته المصنوعة من خشب السنديان على رأس الجيش. هكذا حافظوا على حرية وإستقلال لبنان فإستحقوا بالعرق والدم والإضطهاد مقولة "مجد لبنان أعطي له".

طبع الموارنة وعلى رأسهم بطاركة الكنيسة التاريخ اللبناني بوقفات بطولية ووطنية في وجه الظلم والغزاة وكل ما يتعارض مع حرية وسيادة أرضهم. وفيما يلي نتطرق للبعض منها، إنعاشاً للذاكرة ووفاء للتضحيات:

- في 22 ايار 1283 قتل البطريرك الشهيد "دانيال بطرس الحدشيتي" سيد الأبطال وأب المقاومة، على يد المماليك بعدما احرقوا وذبحوا واغرقوا اهلنا في الجبة وحصرون وبشري وبزعون وإهدن

- معركة مثلث الفيدار-جبيل-المدفون عام 1293 - حيث هاجم 60 الف جندي من المماليك المناطق المسيحية الساحلية، من المحور الجنوبي (بيروت - جبيل) فرصدتهم دون إعتراض قوة من المردة، وتركتهم يدخلون المدينة، بعدما طلب قادة المقاومة من السكان مغادرة المدينة مؤقتاً بالمراكب. فإطمأن الجيش المملوكي ودخل المدينة وبدؤوا ينهبون ويحتفلون حتى تضعضع وضعهم. وفي المساء هاجمتهم القوات المسيحية المتمركزة على تلال جبيل وقتلت قسم كبير منهم، وعندما حاول من تبقى الهروب جنوباً، أطبقت عليهم قوة من المردة الجراجمة وابادتهم. أما على المحور الشمالي، فعندما وصل الجيش المملوكي (40 ألف جندي) الى المدفون، ادرك تقهقر جيشه على المحور الأول فقرر الانسحاب. الاّ أن القوات المسيحية المتمركزة في المنطقة بقيادة المقدم "بنيامين" ابن بلدة حردين اطبقت عليهم، وقد كلفت هذه المعركة الموارنة خسائر جمة في مراحل لاحقة.

- عام 1367 أستشهد البطريرك "جبرائيل حجولا" بعدما هاجم المماليك دير سيدة ايليج وتعرضوا للرهبان ومن ثم توجهوا الى قرى البترون وجبيل ليمعنوا زبحاً بأهلها بحجة أن فرسان موارنة كانوا يساندون الصليبيين في حملتهم على الإسكندرية في مصر

- عام 1867 زار البطريرك "بولس مسعد" السلطنة العثمانية للقاء السلطان "عبد العزيز" وطالب بإعفاء مسلمي لبنان من الخدمة العسكرية الإلزامية إسوة بالمسيحيين، وبعد موافقة السلطان نظمت له إحتفالات العودة من مرفأ طرابلس الى الديمان

- خلال المجاعة التي أصابت لبنان عام 1916 قام البطريرك "الياس الحويك" بتوزيع الخبز على كافة السكان المسيحيين والمسلمين دون تفرقة

- في زمن المجاعة، قصد مطران جبة بشري "أنطوان عريضة" التاجر الطرابلسي "محمد بك الغندور" لتزويده بالقمح بهدف إطعام شعبه مقابل رهن صليبه، لكن نخوة ووطنية التاجر الطرابلسي حملته على تزويد المطران مجاناً بشحنتي قمح عوضأً عن الواحدة مقابل أن يعيد المطران الصليب الى صدره لأنه يستحقه

- كذلك رهن الأباتي "إغناطيوس داغر التنوري"، ممتلكات الرهبنة الى الحكومة الفرنسية بمبلغ مليون فرنك ذهب لإطعام شعبه، وعند الإستحقاق أعفته فرنسا من السداد

- حاولت فرنسا إقناع البطريرك "الياس حويك" بمحاسن الوحدة مع سوريا، لكن البطريرك رفض، وقد أفضى مؤتمر فرساي في باريس إلى تشكيل لجنة كينغ-كراين التي إلتقت الحويّك في حزيران 1918 وأوصت باستقلال لبنان. في آب سافر الحويك على رأس وفد لبناني لحضور الجلسة الثانية لمؤتمر الصلح، ولقب حينها بِ "بطريرك لبنان" للإشارة إلى التفاف اللبنانيين مسلمين ومسيحيين حوله

- عام 1943 نال لبنان إستقلاله وقد كان للقيادات السياسية المارونية في حينه دور بارز في هذه المعركة خصوصاً بعد مطالبة البطريرك "أنطوان عريضة" باستقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي


بعد ذلك ساهمت ما عرفت بالمارونية السياسية، بالنهضة الكبيرة التي شهدها لبنان على كافة الاصعدة وقد برز خلال تلك الفترة العديد من المفكرين والشخصيات المقتدرة التي ساهمت بتحويل لبنان الى صلة وصل ونقطة جذب بين الغرب والشرق وبالتالي الى سويسرا الشرق في حينه تيمناً بالنظام المصرفي السويسري وقانون السرية المصرفية الذين ساهموا بتدفق الرساميل والاستثمارات الى لبنان.


لكن النموذج اللبناني الذي اقلق الكثير من الدول الإقليمية في حينه، ما لبث ان تعرض لنكبات وأزمات وإحتلالات وحروب متلاحقة، أدت في نهاية التسعينات الى إتفاقية الطائف التي خسر الموارنة بموجبها نفوذهم في السلطة لصالح الطوائف الأخرى فإنتهى معها النموذج الريادي المميز للبنان وزادت موجات الهجرة المسيحية بشكل كبير.


ختاماً، وعلى الرغم من الإخطاء والنكسات والطعنات الداخلية الكبيرة التي مَرَّ بها الموارنة عبر الزمن، فالتاريخ وحده يبقى الشاهد الاكبر على أن لا قيامة للبنان الا بقيامة الموارنة عموماً وبكركي تحديداً، وأن لا إستمرارية لهذا النموذج في الشرق دون المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً، وأن لا محبة تزرع من قبلنا في أرض القداسة ما لم تكن مستمدة من تعاليم ووداعة ورسالة يسوع المسيح الحقيقية، لذلك كنا وسنبقى مناضلين موارنة لوطننا وحريتنا وأرضنا وكنيستنا وقضائنا العادل ونظامنا الديمقراطي، ونفتخر.

جورج يونس

277 views0 comments