top of page

لا تبكي شعبًا يَسعَدُ في جَلدِ نفسه


يوسف الخوري

بقلم يوسف الخوري

توصيفات كثيرة حدّدت طبيعة عمليّة "طوفان الأقصى" التي قامت بها حماس ضدّ المستوطنات اليهوديّة على تخوم غزّة؛ المتضرّرون منها والرافضون لأسلوب القتل الذي اعتُمد خلالها، وصّفوها بالإرهابيّة والوحشيّة. المؤيّدون لها، لاسيّما المناهضون للكيان الإسرائيلي، اعتبروها هجومًا بطوليًّا ونوعيّا. أمّا الذين لا لون لهم فرأوا أنّها انتقاميّة لمآسي أهل غزّة.

لكنّ أحدًا لم يقُل إنّها عمليّة انتحاريّة!

مَن يعرفني، يعلم، بأنّني بُعَيد وقوع الهجوم، وقبل أن يتمّ الإعلان عن تجاوز عدد الضحايا المدنيين الإسرائيليين المائة، جزمتُ أنّ ما ارتكبته منظّمة حماس سيتسبّب بمأساة على أهل غزة لن تقلّ عن "ترانسفير" واسع باتّجاه سيناء، وبالقضاء على حماس نفسها، وبخروج إيران من سوريا نهائيًّا.



تكفي المرء قراءة استرجاعيّة بسيطة لبعض أحداث الخمسين سنة المنصرمة، حتّى يصل إلى استنتاجي أعلاه؛ غداة قتل أحد عشر رياضيًّا اسرائيليًّا في ميونيخ عام 1972 على يد "منظّمة أيلول الأسود" الفلسطينيّة، أطلقت "غولدا مائير" عمليّة "غضب الرب" التي بنتيجتها قَضَت إسرائيل على كلّ قياديي المنظّمة المتورّطين في قتل الرياضيين. في العام 1979، نفّذ سمير القنطار ورفاقه هجومًا فدائيًّا داخل مدينة نهاريا الإسرائيليّة، وانتهى الهجوم بمقتل مدنيين، من بينهم طفلة عمرها أربع سنوات، وباعتقال القنطار. حُكم على الأخير بخمسة أحكام مؤبّدة وعدد الذين قتلهم من المدنيين لا يتجاوز عدد أصابع اليد.


وعام 2006، نجح حزب الله في اختطاف جنديين اسرائيليين على الحدود مع لبنان، فكانت المحصّلة دمارًا شاملًا طال كلّ الأراضي اللبنانيّة بلا رحمة.

أيُعقل أنّ مَن خطّط لعمليّة "طوفان الأقصى"، ونفّذها، "لم يكن يعلم" كيف تردّ إسرائيل على المتعرّضين لأطفالها وللمدنيين فيها ولعسكرها!؟ إذا كان لا يعلم، يكون كلّ ما تتعرّض له غزّة اليوم نتيجة خطأ في تقديراته، ويُساءَل هو وحده عنه، لاسيّما وأنّنا لم نلحظ أيّ أبعاد استراتيجية لعمليّة "طوفان الأقصى" غير إشعال نار القتل والدمار في الشرق الأوسط! وإذا كان يعلم وأقدَم على فعلته، يكون هو مَن ضحّى بشعبه، خصوصًا أنّه لم يُضمّن خطّته أيّ تدابير وقائيّة لحماية أهله وناسه!!

يعلم أو لا يعلم، فأنا لا أرى في عمليّة "طوفان الأقصى" سوى عمليّة انتحاريّة، ومنظّمة حماس هي مَن انتحرت بفلسطينيي غزّة ولم تُشفق عليهم!!! فلماذا أبكيها وأبكيهم؟

المؤسف والمحزن، لا بل المُخزي والمُخجل، أسلوب تعاطي اللبنانيين، وتحديدًا بعض المسيحيين، مع ما يحصل في غزّة؛ أحدهم، وهو زُعَيم مسيحي، اعتلى المنبر بالأمس مهدّدًا إسرائيل وهو بالكاد يمون على فريق المواكبة الخاص به. آخر، وهو المُفترض أنّه سيّد تدوير الزوايا، تحدّث عن حقّ الغزاويين بالمقاومة، لكنّه نسي أنّ من حق إسرائيل أيضًّا الردّ. يساري علماني متفلسف، تارة يكون فتحاويًّا وطورًا يعود شيعيًّا متديّنًا، اعتبر أنّ آلة القتل الإسرائيلية تنتهك كلّ الأعراف والقوانين الدوليّة في غزّة، وأنّ من حقّ الفلسطينيين مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بحسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكنّه لم يُخبرنا أين حلّل الإعلان العالمي "للمقاومين" قتل الأطفال والمدنيين في إسرائيل. "عباقرة" من المنظّرين على الشاشات، يعتبرون ضربة حماس استباقية كون إسرائيل لديها خطّة بتهجير الغزاويين، وهؤلاء أنفسهم يزعمون أنّ لا براهين مؤكّدة بأنّ حماس نكّلت بأطفال ونساء خلال عمليّة "طوفان الأقصى"، ما يدفعني إلى سؤالهم: ما هي براهينكم بأنّ إسرائيل تخطّط لعمليّة "ترانسفير" من غزّة، وما الذي أكّد أنّ إسرائيل كانت تنوي اجتياح لبنان عام 2006، فسبقها حزب الله بخطف الجنديّين بحسب ادّعائه!؟ "مُحايدون"، لكنّهم منحازون إلى القضيّة الفلسطينية، يبرّرون لحماس فعلتها بحقّ المدنيين الإسرائيليين باعتبار أنّه لا يُمكن فصلها عن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المُزمن، وأنّها جاءت كردّة فعل على انتهاكات إسرائيل المستمرة منذ عقود بحقّ الغزاويين! إذًا، لا يلومنّني أحدٌ إذا كنت لا أبكي المنتحرين في غزّة، لأنّني، وفي موقف مناقض لعقيدتي المسيحيّة، لم أسامح الفلسطينيين على تنكيلهم بشعبي، ولن أذرف دموع التماسيح عليهم إرضاء لفلان أو علتان، إذ لا يُمكن فصل خراب لبنان على يد الفلسطينيين عمّا يحدث اليوم في غزّة.

لن أذكّر بالمجازر التي ارتكبها الفلسطينيون بحقّ مسيحيي لبنان في الناعمة والدامور وعشاش والعيشيّة، ولن أذكّر بأنّنا يومها كنّا مقاومة شريفة تدافع عن وجود شعبها، وكان الفلسطينيون هم الاحتلال، كما ولن أذكّر بأنّ إسرائيل اجتاحت لبنان للقضاء على عدوّتها منظّمة التحرير، وليس لدعمنا... الخ. لكنّي أريد التذكير، وأصرّ على التذكير لإنعاش ذاكرة المُضلّلين والمنافقين، بأنّه عام 2007، سقط للجيش اللبناني 168 شهيدًا على يد مجموعات اسلاميّة فلسطينيّة في معركة مخيّم نهر البارد، سقطوا على تردّدات صوت حسن نصرالله، المدّعي أنّ سلاحه للدفاع عن لبنان، وهو يقول مهدّدًا: "المخيّم خط أحمر"!!!

بالرغم من أنّ ما كُتب قد كُتب، أنا مستعد للتراجع عن موقفي، واشهار دعمي لفلسطينيي غزّة، إذا كان بإمكان أحد أن يقدّم لي موقفًا فلسطينيًّا واحدًا متضامنًا مع المسيحيين الذين كانوا يتعرّضون لأوحش الهجمات من البعث السوري في حربَي "المائة يوم" في الأشرفية عام 1978، وزحلة عام 1981.

قلتُ ما قلت؛ ليس دفاعًا عن جنون آلة الدمار الإسرائيلية، وليس شماتةً بالفلسطينيين الذين يكرهوننا، بل منعًا لتشتيت وعي المسيحيين اللبنانيين، وجرّهم إلى محاور لا تشبه ثقافتهم وانتماءهم.

نجّنا ربّي من الآتي على لبنان، ولا تغفر للزنادقة المسيحيين المضلّلين للشعب اللبناني عامة، والمسيحي خاصة.

0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page