top of page

انتصار الدولة وسقوط المقاومة المزعومة

مارونايت نيوز

ما جرى ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، ولا خبراً عادياً يمرّ في نشرات المساء. ما جرى هو بداية تحوّل تاريخي يمكن أن يفتح الباب، للمرة الأولى منذ أكثر من ستين سنة، أمام عودة فعلية وثابتة للسيادة اللبنانية إلى الجنوب اللبناني، لا بشعار، ولا بخطاب، ولا بصاروخ، بل بالدولة.

الاتفاق الإطاري الذي وُقّع برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة لا يجب أن يُقرأ من زاوية شكلية ضيقة. قيمته ليست في الصورة، ولا في المقاعد، ولا في البروتوكول. قيمته في المعنى السياسي العميق: الدولة اللبنانية، بكل ضعفها، بكل ما تعرّضت له من خطف وتعطيل وابتزاز، تعود إلى قلب المعادلة. والجيش اللبناني، لا الميليشيا، يصبح عنوان العودة إلى الأرض. والمؤسسات، لا الدويلة، تصبح الطريق إلى استعادة الجنوب.

هذا انتصار للبنان أولاً. وانتصار للدولة اللبنانية أولاً وأخيراً.

الذين باعوا اللبنانيين وهم “المقاومة” طوال عقود، والذين حوّلوا الجنوب إلى منصة حروب إيرانية، والذين استعملوا دماء الناس وبيوتهم وأرزاقهم في خدمة مشروع لا علاقة له بلبنان، يقفون اليوم أمام حقيقة قاسية: الدولة استطاعت أن تفتح باب تحرير لبنان من دون إطلاق خرطوشة واحدة. وهذا وحده كافٍ لضرب منطق ما يسمى بالمقاومة في الصميم، وفضحه، وتعريته أمام اللبنانيين.

هذه العصابة الإيرانية التي سمّت نفسها مقاومة لم تجلب للبنان إلا الاحتلال والدمار والتشريد والقتل. استجلبت الاعتداءات، فتحت البلاد على الحروب، دمّرت الاقتصاد، خطفت القرار الوطني، ودفعت الناس إلى الهجرة والفقر والخوف. ثم وقفت فوق الركام لتلقي الخطب عن الكرامة والسيادة، وهي أول من دمّر الكرامة وأهان السيادة.

الاحتلال الإسرائيلي للبنان يجب أن ينتهي. هذه بديهية وطنية لا نقاش فيها. لكن الاحتلال الإيراني المقنّع عبر حزب الله وعصاباته لا يقل خطراً على معنى الدولة. فلبنان لا يتحرر من احتلال خارجي ليبقى رهينة احتلال داخلي مسلح. ولا معنى لعودة الجنوب إلى الدولة إذا بقي قرار الحرب والسلم في يد تنظيم يأتمر من خارج الحدود.

اليوم، المعركة الحقيقية ليست فقط على الحدود. المعركة داخل لبنان: هل تكون الدولة دولة، أم تبقى واجهة تُستعمل عند الحاجة وتُكسر عند القرار؟ هل يكون الجيش اللبناني هو صاحب السلطة، أم تبقى العصابات المسلحة، ومن يدور في فلكها من كل الطوائف، فوق القانون وفوق المؤسسات وفوق الناس؟

ولا نستغرب بعد اليوم انحطاط الخطاب عند أبواق هذه العصابة. لا نستغرب أن يخرج نواب وصلوا إلى الندوة البرلمانية تحت ظل السلاح ليهاجموا هذا الإنجاز التاريخي بلغة ساقطة تشبه عقولهم السياسية. هؤلاء لا يدافعون عن لبنان. هؤلاء يدافعون عن آخر ما تبقى من مشروعهم بعد أن بدأ ينكشف أمام اللبنانيين: مشروع لا يعيش إلا على الفوضى، ولا يستمر إلا بالخوف، ولا يحكم إلا بالسلاح.

ولا نستغرب أيضاً أن يلجأوا إلى تحريك أدنى مستويات الفوضى في الشارع، من قطع طرقات وحرق دواليب واستعراضات غضب فارغة. هذه ليست قوة. هذه شهادة انتهاء. من كان يملك مشروعاً وطنياً لا يحرق طريق الناس. ومن كان يملك شرعية لا يحتاج إلى ترهيب الشارع. ومن كان يمثل المقاومة فعلاً لا يخاف من عودة الدولة.

هذا الاتفاق، إذا أحسن لبنان التعامل معه، قد يكون بداية الطريق إلى تحرير مزدوج: تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وتحرير الدولة اللبنانية من الاحتلال الإيراني الذي اختبأ خلف اسم المقاومة. فالسيادة لا تتجزأ. والسلاح غير الشرعي لا يصبح وطنياً لأنه يرفع شعاراً كبيراً. والدويلة لا تصبح دولة لأنها تملك نواباً ووزراء وميليشيات وإعلاماً مأجوراً.

المرحلة التالية يجب أن تكون واضحة: بسط سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، تثبيت الجيش اللبناني كقوة شرعية وحيدة، إنهاء كل البنى المسلحة الخارجة عن الدولة، وفتح ملف المحاسبة القضائية لكل من تسبب بقتل اللبنانيين وتهجيرهم وتدمير قراهم واقتصادهم ومستقبلهم.

نعم، يجب أن يصل هذا الملف إلى القضاء. ويجب أن يُحاسَب نعيم قاسم، وكل من يثبت تورطه من قادة ووزراء ونواب وسياسيين وأمنيين وميليشياويين، أمام المجلس العدلي، لا انتقاماً، بل عدالة. لا ثأراً، بل استعادة للدولة. لا تصفية سياسية، بل محاسبة وطنية على ما أصاب لبنان من دمار ميداني واقتصادي وأخلاقي وإنساني واجتماعي.

لبنان لا يحتاج بعد اليوم إلى مقاومة مزيفة تحرقه ثم تطلب التصفيق. لبنان يحتاج إلى دولة. يحتاج إلى جيش. يحتاج إلى قضاء. يحتاج إلى قرار واحد، وسلاح واحد، وسيادة واحدة.

ما حصل اليوم ليس نهاية الطريق. لكنه بداية ثابتة وقوية. والأهم أنه كشف الحقيقة: حين تتحرك الدولة، يسقط وهم المقاومة. وحين يعود القرار إلى المؤسسات، تنكشف العصابة. وحين يبدأ لبنان باستعادة الجنوب تحت راية الدولة، يبدأ أيضاً باستعادة نفسه.

الفرد بارود

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page