top of page

لبنان في ميزان الجغرافيا والمعاهدات: حين يصبح المصير قابلاً لإعادة الصياغة

من لوزان إلى اليوم، كيف يتقاطع القرار الدولي مع الواقع الداخلي، وهل يمكن أن تتحوّل الأزمات الحالية إلى مدخل لإعادة تشكيل الكيان؟ بقلم الفرد بارود

مقدمة

في زمن السلطنة العثمانية، كان ما يُعرف اليوم بجبل لبنان هو لبنان. وكان أبناء محافظة بيروت يقولون: «رايحين ع لبنان»، أي إنهم عندما يتركون بيروت متوجهين إلى الجبال المحيطة بها، يعبّرون عن ذلك بالذهاب إلى لبنان. هكذا عُرفت حدود لبنان لقرون طويلة.

وكان هذا الوطن يتمتع بكيان خاص خلال حكم السلطنة، إذ كان يُحكم من قِبل أمير، وله حدود وإدارة وقرار، مع التزامه بدفع الضرائب للباب العالي أسوةً بسائر ولايات السلطنة. وهذا ما يدفعنا إلى تحديد حدود لبنان تاريخيًا ضمن هذا الإطار، دون العودة إلى الحقبة الفينيقية في هذا البحث.

سنة 1919 ولبنان الكبير

بعد الحرب العالمية الأولى، قررت الدول المنتصرة تنفيذ ما اتُّفق عليه لتقسيم المناطق التي كانت خاضعة لحكم السلطنة العثمانية إلى كيانات ذات حدود معترف بها دوليًا.

كان من الممكن أن يحافظ لبنان على حدوده ضمن إطار المتصرفية، إلا أن إصرار البطريرك الياس الحويّك أدى إلى ضم الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني، وسهل البقاع، والسلسلة الشرقية، وعكار، مع سكانها. وقد أدى ذلك إلى إدخال هؤلاء السكان ضمن الكيان الجديد، ما أفضى إلى اكتسابهم الجنسية اللبنانية بدلًا من انتماءات أخرى كانت محتملة.

فتحددت حدود لبنان الكبير، وأُعلن رسميًا سنة 1920.

لوزان والجنسية

أسست معاهدة لوزان، الموقّعة في 24 تموز 1923، لقيام دول جديدة بعد أن تخلّت السلطنة العثمانية قانونيًا عن هذه المناطق.

كما نصّت المعاهدة، ولا سيما في موادها المتعلقة بالجنسية (المواد 30 إلى 36)، على انتقال رعايا الدولة العثمانية إلى تبعية الدول الجديدة التي أصبحوا ضمن حدودها. وأُعطي هؤلاء حق الاختيار (Option)، بحيث يمكنهم اختيار جنسية دولة أخرى من الدول التي اقتُطعت من السلطنة، شرط الانتقال للإقامة فيها ضمن مهلة محددة.

ثم صدر القرار رقم 15 بتاريخ 19 كانون الثاني 1925، فأنشأ الجنسية اللبنانية وحدّد من هو لبناني ضمن الإطار القانوني الجديد.

قرارات دولية أسست دولًا جديدة ووضعت حدودها

لم تأتِ الحدود التي رُسمت للدول الناشئة متجانسة كليًا أو عادلة في جميع الحالات، لكنها حافظت، في شكلها العام، على قدر من التجانس بين أغلبية السكان ضمن كل كيان.

غير أن هذا الأمر لم يكن سهل التطبيق في حالة لبنان الكبير بعد ضم المناطق المذكورة. فرغم قيام هذا الكيان، بقيت تركيبته معقّدة، ونظامه صعب التطوير، ولو أنه شهد محاولات متكررة للتعديل بعد مراحل من العنف رافقت مسيرته منذ التأسيس.

ولا يمكن إغفال أن اختلال التوازن جاء نتيجة ضم مساحات واسعة بما حملته من تنوع سكاني. فما كان ينطبق على أبناء جبل لبنان (المتصرفية)، لا ينطبق بالضرورة على سكان الجنوب أو البقاع قبل ضمّهم، وذلك قبل أن يحمل الجميع الجنسية اللبنانية ابتداءً من 19 كانون الثاني 1925، بموجب القرار رقم 15.

ماذا يحصل اليوم من خلف الستار؟

في الخطاب السائد في الجنوب، يتكرر التحذير من مطامع إسرائيلية ومن احتمال التهجير. هذا القلق مفهوم في سياق تاريخي معقّد، لكن في المقابل يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل تُدار المواجهة بما يحمي الأرض فعليًا، أم بطريقة قد تفتح الباب أمام مخاطر أكبر؟

وفي مشهد موازٍ، يتمسّك أبناء عدد من القرى، ولا سيما المسيحية منها، بأرضهم رغم صعوبة الواقع ووقوعهم بين أطراف متنازعة. وقد عبّرت أصوات محلية، ومنها كاهن من بلدة رميش، عن قراءة تاريخية مختلفة لانتماء هذه المنطقة قبل ضمّها إلى لبنان الكبير، مع الإشارة إلى شعور مزمن بالإهمال من الدولة اللبنانية، رغم ما قدّمه أبناء الجنوب لها.

ومن هنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: عندما تتراجع مقومات الصمود، ويُهدَّد الحد الأدنى من الحياة اليومية، إلى أي حد يمكن مطالبة الناس بالبقاء ضمن خيارات لا يملكون القدرة على تحمّل تبعاتها؟

ما حملته الجغرافيا تأخذه معها

إذا كانت الجغرافيا قد ساهمت في رسم الكيانات، فهل يمكن أن تعود لتلعب الدور نفسه في إعادة تشكيلها؟وإذا تغيّرت الحدود يومًا ما بموجب تسويات دولية، ماذا يكون مصير السكان؟

وهل بدأ بعض النازحين، تحت ضغط الواقع، بالتكيّف مع فكرة الإقامة الطويلة خارج مناطقهم؟ وهل يتحوّل هذا التكيّف تدريجيًا إلى تقبّل لفكرة «وطن بديل» أو «أرض بديلة» أو حتى سيناريوهات الترانسفير؟

وهل يمكن أن يُستخدم هذا الواقع لتبرير خطاب سياسي وإعلامي يتجه نحو تخوين الداخل، ووضعه في خانة المواجهة، تحت عناوين تُساوي بين الخصم الداخلي والتهديد الخارجي؟ وهل يتحوّل هذا الخطاب تدريجيًا إلى محاولة لإعادة تعريف الصراع، من صراع مع الخارج إلى صراع داخل الكيان نفسه، بما يتيح تقديم أي مواجهة داخلية على أنها امتداد لمفهوم «المقاومة»؟

وهل يصبح الرأي العام، تحت ضغط هذا الخطاب، أكثر قابلية لتقبّل فكرة أن الصراع لم يعد على حدود الوطن، بل على تعريفه وهويته ومن يمتلك حق تمثيله؟ وهل يُعاد تشكيل هذا الوعي على أساس ثنائيات عددية، أكثرية وأقلية، بما يفتح الباب أمام تبرير خيارات تتجاوز الدولة بدل أن تعزّزها؟

وإذا كان الأمر كذلك، فهل تُقدَّم صراعات داخلية محتملة على أنها ضرورة أخلاقية، في حين أنها قد تؤدي فعليًا إلى إضعاف الدولة، وهي الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع؟

وهنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: إذا ضُمّ الجنوب بموجب معاهدة دولية، هل يتحوّل النازحون منه إلى لاجئين كما حصل مع الفلسطينيين؟ أم أن الوقائع لا تُفرض إلا عندما تُترك من دون إطار دولة يحميها ويُثبّت حقوق أهلها؟

اليوم، اليوم وليس غدًا

في هذا السياق، لا يمكن فصل المخاطر الخارجية عن القرارات الداخلية. فإلى أي حد تتحمّل الخيارات التي تُتخذ داخل البيئة الشيعية—وخاصة تلك المرتبطة بمسار حزب الله وتحالفاته الإقليمية مع إيران— مسؤولية وضع الجنوب في قلب صراع مفتوح؟

وهل يمكن الاستمرار في هذا المسار من دون تعريض الأرض وأهلها لاحتمالات لا يمكن السيطرة عليها؟

وأمام شيعة لبنان تحديدًا، يبرز السؤال الجوهري: هل مصلحتهم تكمن في الاستمرار في خيارات تتجاوز الدولة، أم في العودة إلى الدولة كمرجعية وحيدة؟

وهل يمكن لأي قوة، خارج إطار الجمهورية اللبنانية، أن تمنح حماية قانونية أو سياسية في مواجهة أي مشروع ضم أو تغيير حدود؟أم أن هذه الحماية، بحكم القانون الدولي، لا يمكن أن تأتي إلا من دولة معترف بها، هي الجمهورية اللبنانية؟

خاتمة

لبنان، كما هو اليوم، هو كيان نشأ في إطار دولي، وتثبّت بمرجعية قانونية واضحة. لكن هل يمكن الحفاظ عليه خارج إطار الدولة؟وهل يمكن حماية الأرض من دون مرجعية شرعية واحدة تمثّلها؟

في النهاية، يبقى السؤال: من يحمي الأرض فعليًا… الواقع المفروض، أم الدولة؟ وأي خيار يضمن بقاء الناس في أرضهم، لا تحوّلهم إلى نازحين أو لاجئين؟

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page