الحرامي المبارك
- Alfred Baroud الفرد بارود

- 1 hour ago
- 3 min read

مارونايت نيوز
لا أتحدّث عن حرامي واحد، بل عن طبقة كاملة سرقت ونهبت أموال الناس والدولة في لبنان. نعرف أنهم سرقوا، ونعرف أن المال خرج، ونعرف أن الدول والمصارف تعرف طريقه جيداً. لكن حتى لو عُرفت الأسماء، فلن يتغيّر شيء.
لن يتغيّر شيء، لأن السرقة في لبنان ليست جريمة عندما تكون محمية. إنها سرقة مباركة، مغسولة بقوانين، ومغطّاة بدول ترفع شعار العدالة في العلن، وتفتح خزائنها للمال المنهوب في السر.
حركة الأموال حول العالم ليست لغزاً. كل دولار معروف من أين خرج، وإلى أين وصل، ومن يملكه، وفي أي حساب يستقر. لذلك، لا أحد يصدّق أن المصارف الأوروبية لا تعرف أموال الشعب اللبناني المودعة لديها. هي تعرف، ودولها تعرف، وحكوماتها تعرف. لكنها تحمي، لأنها شريكة في الجريمة لا شاهدة عليها.
تأتينا هذه الدول بثياب القانون والشفافية وحقوق الإنسان. تبيعنا خطابات ناعمة، وتوزّع علينا دروساً في الإصلاح، ثم تحتفظ في مصارفها بأموال شعبٍ أُفقر، ودولةٍ نُهبت، ومؤسساتٍ دُمّرت. يريدون منا أن نصدّق أنهم أوصياء على العدالة، وهم خزنة المال المسروق.
هل يُعاقَب صاحب المال الحلال؟
هل يخاف البريء من العدالة؟
هل يحتاج المال النظيف إلى كل هذه السراديب والحمايات والواجهات؟
لنفهم الحقيقة كما هي: عصابات الداخل ليست وحدها. هي وكلاء سرقة لقوى خارجية تعرف جيداً ماذا تفعل. لو كانت فرنسا صادقة في ادّعاء عطفها على لبنان، فلتبدأ بإعادة الأموال اللبنانية المنهوبة والمخبّأة في مصارفها. ولو كانت أوروبا، كما تزعم، قلعة حضارة وقانون، فلتكشف حسابات اللصوص وتعيد أموال الدولة اللبنانية إلى أصحابها.
لكنهم لا يفعلون، ولن يفعلوا، لأن الفوضى في لبنان ليست خطأً في حساباتهم، بل جزء من المشروع. يريدون دولة ضعيفة، شعباً مكسوراً، قضاءً مشلولاً، ومصارف تحمي اللصوص باسم القانون.
طالبوا لبنان برفع السرية المصرفية في العلن، ثم علّموا العصابة في السر كيف تلتفّ على القانون بقانون، وكيف تبقي السرية قائمة تحت أسماء جديدة وواجهات أنظف. هذه ليست عدالة. هذا تنظيم احترافي للسرقة.
القانون في لبنان ليس مطلبهم الحقيقي. العدالة ليست غايتهم. لو أرادوا العدالة، لبدأوا من مصارفهم. لو أرادوا الإصلاح، لكشفوا الأموال المهرّبة. لو أرادوا الدولة، لما حموا من دمّروها.
وهنا يصبح السؤال واجباً: من يخدم السلاح المتفلّت في لبنان؟ هل يخدم أصحابه والعصابات المستفيدة فقط، أم يخدم أيضاً الرعاة الغربيين والشرقيين الذين يحتاجون إلى لبنان ضعيفاً، ممزّقاً، ومفتوحاً على النهب؟
لا تنظروا إلى أوروبا كمنقذ. أوروبا خطرة على لبنان بمستوى خطر إيران وإسرائيل. لكل واحد منهم مشروعه، ولكل واحد منهم طريقته في تفكيك هذا البلد. بعضهم يحمل السلاح، وبعضهم يحمل المال، وبعضهم يحمل القانون، لكن النتيجة واحدة: لبنان يُستنزف.
هل تذكرون ماذا نُقل عن ساركوزي عند لقائه البطريرك الراعي؟
"نقلت صحيفة الأنباء عن مصادر دينية أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عرض على البطريرك بشارة الراعي فكرة توطين مسيحيي لبنان وسوريا في أوروبا، الأمر الذي أثار ذهول البطريرك، بينما نفت الخارجية الفرنسية لاحقاً أن يكون ساركوزي قد طرح استعداد فرنسا وأوروبا لاستقبال المسيحيين الشرقيين."
هذه ليست زلّة كلام. هذه عقلية. بدل أن يُحمى المسيحي في أرضه، يُعرض عليه الرحيل. بدل أن يُصان لبنان بتاريخه وهويته، يُفرَّغ من ناسه. وبدل أن تُعاد الحقوق إلى أصحابها، تُدار الجريمة وكأنها قدر.
لذلك، لا خلاص لنا بالرهان على الخارج. لا من شرق ولا من غرب. لا من أوروبا المتآكلة، ولا من أميركا المتوحّشة، ولا من إيران، ولا من إسرائيل. كلّهم يريدون لبنان على قياس مصالحهم، لا على قياس شعبه وتاريخه وكرامته.
لنعد إلى أصولنا وجذورنا فقط. لنعد إلى بناء إنساننا، ووعينا، ودولتنا، وقضائنا، وذاكرتنا. لنكفّ عن استيراد أنصاف حلول من دول غاب عن ضميرها الإنسان، ولنرفض أن نكون شعباً مسروقاً ينتظر عدالة من خزنة اللصوص.
ألفرد بارود







Comments