أَتَمتَحِنون الموارنة بِسرِقة خبز الأرملة أيّها البُلْهُ!!؟ بقلم يوسف الخوري




​عام 1976، وفي أثر انضمام الضابط المنشقّ أحمد الخطيب إلى "القوّات المشتركة" المؤلّفة من تحالف الفلسطينيين، الاشتراكيين الجنبلاطيين، المرابطون، أحزاب اليسار وغيرهم، لاحظ أبناء بلدة القليعة الجنوبيّة في الجيش اللبناني، أنّ بقاءهم في ثُكنة مرجعيون فيه خطر على أرواحهم، فانسحبوا من الثكنة يؤازرهم عناصر مسيحيون من مختلف المناطق، وتحصّنوا في بلدتهم القليعة. لم يطل الأمر "بالقوات المشتركة" حتّى شدّدت الحصار على القليعة، وراحت تستهدفها بالقصف المدفعي والهجومات المتكرّرة، مانعةً عن أهلها الطحين والأغذية والمحروقات، داعيةً إيّاهم إلى الاستسلام والخضوع وتسليم أسلحتهم، لكنّ شيئًا من كلّ هذا لم يحصل، إذ كان "القليعيون" قد حسموا أمرهم بالاستشهاد جياعًا ووقوفا.

يصل خبر إلى أهل القليعة أنّ سيادة المطران ابرهيم الحلو جمع لبلدتهم بعض المؤن، وهي موجودة في صيدا، لكنّه لا يعرف سبيلًا لإيصالها إليهم. تُقرّر الأخت لويز-ماري الحلو، وهي شقيقة المطران الحلو، أن تنزل بنفسها إلى صيدا لإحضار ما جمعه صاحب السيادة.

تعود الأخت لويز-ماري بـِ "بيك أب" محمّل بطنّين من الطحين وحليب الأطفال والأدوية، لكنّ حاجز "القوّات المشتركة" في الخردلي يمنعها من العبور بها إلى داخل القليعة، فتتوسّل إليه أن يتركها في سبيلها، فما في حوزتها من مساعدات بالكاد "يُبعد الجوع والموت لفترة قصيرة عن المرضى والمسنّين والعائلات المُعدمة"، وهي لن تؤثّر على عملية تحريرهم فلسطين. يتعنّت عنصر الحاجز قائلًا:

- ما تعزبي قلبِك، الـ "بيك أب" ما رح يفوت عَـالقليعَه.

عندها نزلت الأخت لويز-ماري إلى الطريق ومسبحتها في يدها، متحدّيةَ هذا العنصر بإيمانها، قائلةً:

- اِيه، وأنا مش متزحزحَه من هَون إلّا والـ "بيك أب" بحمولتُه معي.

انتزعت مفتاح الـ "بيك أب" ووضعته في جيبها، ثمّ جلست على الإسفلت أمامه وبدأت تُصلّي ورديّتها، وبقيت على هذه الحال لأكثر من أربع ساعات حتّى احرجت عناصر الحاجز، إذ وَيلُهم، من جهة، مخالفة الأوامر وترك الراهبة تدخل إلى القليعة بالمساعدات، وويلهم، من جهة ثانية، التمادي في اعتراضهم طريقها، ما اضطرّهم إلى اللجوء إلى المسؤول الكبير ليأتي ويعالج الأمر شخصيًّا، والذي حضر غاضبًا يريد النيل من هذه الراهبة المشاكسة.

- المسؤول: إنتي من القليعة؟

- الراهبة: بِـخدُم فيها من 20 سني.

- المسؤول: إذا ما كنتي من القليعة وهَيك عم تعملي!!

- الراهبة: اللي عم أعملُه أهوَن من إنّي إرجع وشوف بعيوني طفل أو عيلي فقيرَه عم يموتوا من الجوع. وأهوَن من إني شوف الختياريّي والمرضا عم يموتوا بلا دَوَا. منّي متحرّكي من هَون واعملوا اللي بيطع بإيدكن، ما تقصّروا.

(عادت إلى مسبحة الوردية) السلام عليك يا مر... (قطعت الصلاة فجأة وتوجّهت من جديد إلى المسؤول) بنصحكن ما تجبرونا نأمّن حاجاتنا الحياتيِه من مطرح تاني، وساعتها إنتو أضعف من اِنكن تمنعونا.

عندها أعتذر المسؤول الفلسطيني من الأخت لويز-ماري وأذن لها بالمغادرة مع المساعدات.

ما فعلته الأخت لويز-ماري الحلو مع المحتلّ الفلسطيني، لدى الاكليروس الماروني الكثير منه في تاريخنا، وكان بإمكان المطران موسى الحاج أن يحذو حذوها مع الأمن العام اللبناني، وألّا يترك باسبوره أو أيّ من مقتنياته عنده، لكن لا بدّ وأنّ سيّدنا الحاج لم يشأ أن يتعامل مع عناصر الأمن العام بسلوك الأخت ماري-لويز نفسه، لاعتباره أنّ هؤلاء يتبعون لجهاز لبنانيّ وليسوا محتلّين، وحسنًا فعل بذلك لنفهم نحن حقيقة هذا الجهاز الذي يتلطّى خلف بدلته المحتلّ الحقيقي للقرار اللبناني اليوم، وأقصد هنا بالمحتلّ، حزب الله الإيراني بقيادة حسن نصرالله الذي بات واضحًا أنّه أكثر شخص يُعاني من أعراض "الصدمة النفسيّة المارونيّة" (MPT) إذ هو يحاول بين الفينة والأخرى أن يمتحن صلابة الموارنة على غرار ما فعله حين أطلق عملاءه في الداخل لصهينة البطريرك الراعي، وحين اشعل جبهة الطيونة لإبراز "فائض قوّته"، وكما يفعل اليوم في قضيّة المطران الحاج.

ويأتيك صحافي واضعًا المواقف المتضامنة مع المطران الحاج في إطار "بهورات مارونيّة"، ويبدو أنّ هذا الصحافي يُعاني بدوره من أعراض MPT، إذ تتمثّل "البهورة" الفعليّة بالمزايدين في اتّهام أفراد جيش لبنان الجنوبي وعوائلهم، المُبعدين، "بالعمالة" إرضاءً لحزب الله، كما تتمثّل ايضًا بصمت زعماء الطوائف غير المارونيّة، وبصمت العلمانيين الذي لا يمرّ يومًا إلا ويتبجّحون بمطالباتهم بحقوق الناس والحريّات العامة.

استوقفني موقف شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز، المدّعي رفض استلام الأموال التي يبدو أنّها مُرسلة إليه، لأنّ مصدرها من داخل أرض "العدو"!! هل من حاجة لنسأل إذا كانت هذه الأموال تصله للمرة الأولى من إسرائيل؟ وهل من داعي لتذكيره بالعلاقات التاريخيّة بين دروز إسرائيل ودروز جبل لبنان، وبأيّ حفاوة يتمّ استقبال مشايخ الأخيرين في القدس؟ أم نذكّره بحجّ الزعيم الروحي لدروز إسرائيل، أمين طريف، إلى خلوات البيّاضة عام 1982، وبوعود النائب الدرزي الإسرائيلي آمال نصرالدين "بالحفاظ على الهويّة الدرزيّة في كلّ مكان وزمان"!؟

من شيخ العقل إلى ابن عقل الحزبي الجبيلي الذي اعتبرَ أنّ العلّة في قضيّة المطران الحاج هي بالقوانين وليس في عمل القضاء، مجاهرًا بمهنيّة وضمير القاضي الذي شلّح المطران مقتنيات المعوزين، ووضع اليد على خبز الأرامل!! أذكّر ابن عقل بسيرة عمّ أبيه (غير مؤكّد) المغفور له المطران بولس عقل، الذي تحدّى حبل المشنقة ولم يتراجع عن التعامل مع الفرنسيين لتأمين الطحين والمؤن لشعبه الذي كان يتعرّض لعملية إبادة من الأتراك بالتجويع، تمامًا كما نتعرّض نحن اليوم من أركان المنظومة الحاكمة بالتواطؤ مع البنوك. فيا ابن عقل، العلّة ليست بالقوانين، وإنّما في كيفيّة مقاربتنا للوقائع، وإلّا ما الذي يمنعنا أن نقول عن قرابتك المطران عقل البطل، والذي ندين له بعدم موتنا جوعًا في كسروان وجبيل، بإنّه كان عميلًا للفرنسيين، ومن حقّ جمال باشا تعليقه كما علّق الخوري يوسف الحايك في دمشق؟

لن أتوقّف عند حقد وتفاهات أبواق الحزب المحتلّ، ولا عند مواقف مَن يستكتب أقلامهم أكاذيبه، وإنّما أتوجّه بالقول إلى الكتّاب والمفكّرين المسيحيين، لاسيّما الأرثوذكس والكاثوليك الذين يسنّون رصاص أقلامهم لطعن الموارنة، إنّ ما يوجعني هو أنّ مَن تكتبون بقلمه للنيل من الموارنة، لن ينتظر القطار الثاني لتحميلكم خلفهم، وإنّما سيحشركم معهم في قطار ترحيلهم نفسه، إذا تمكّن من ترحيلهم.

ولغيارى الأحزاب المسيحية أقول: ليس بدعم مواقف غبطة أبينا البطريرك، ولا بالمطالبة بإقصاء القاضي المتورّط، يكون الدفاع عن حقوقنا، بل برفع صفة العمالة الجائرة عن المُبعدين الجنوبيين، وبإجازة عودتهم فورًا إلى ديارهم والتعويض عليهم، لأنّهم وقعوا ضحيّة مؤامرة بين حزب الله والإسرائيليين، وهم أبطال وطنيون. غير ذلك سيأتي يوم تلتفّ فيه قميص عثمان التي ألبسوهم إياها على رقابكم جميعًا.

أمّا عن إثارة كلّ هذه البلبلة فأؤكّد أن سببها عجز السلطة وحزب الله عن مواجهة إسرائيل، فالسلطة تتحدّث عن ترسيم الحدود، بينما إسرائيل لا تعتبرها، وهي ماضية في استخراج غازها وربّما من قبالة صيدا! وحزب الله هدّد وتوعّد بتدمير كاريش، والغاز الإسرائيلي على قاب قوسين من عبوره إلى الأسواق الأوروبية، فكيف يحوّل هذا الحزب انتباه الناس عن عجزه وعن بهوراته؟ يُلهيهم بقضيّة المطران موسى الحاج، وفي الوقت نفسه يمتحن صلابة الموارنة.

الموارنة بلغوا اليوم بانقساماتهم ومحنة عقولهم درك الانحطاط، ومع ذلك أقول: مَن يمتحنهم يكون أبلَهَ من الحُبارى.



8 views0 comments