top of page

أحد المرفع: العبور الداخلي نحو الصوم الكبير


مارونايت نيوز - يشكّل أحد المرفع في الوجدان الماروني عتبة روحية واضحة قبل الدخول في الصوم الكبير. هو الأحد الأخير الذي يسبق اثنين الرماد، حيث تبدأ مسيرة الأربعين نحو القيامة. وكلمة “المرفع” تعني رفع المأكولات الدسمة، لكن المعنى الأعمق يتجاوز المائدة ليصل إلى القلب.

في هذا الأحد تدعو الكنيسة أبناءها إلى الاستعداد الداخلي. نبرة الصلوات تميل إلى الخشوع، والقراءات تذكّر بالغفران والمصالحة والتوبة. الجو الليتورجي يصبح أكثر هدوءًا، وكأن الجماعة المؤمنة تتدرّب على الصمت الذي يسبق القرار الكبير: قرار الدخول في الصوم بروح صادقة.

الروحانية المارونية لا ترى الصوم الكبير مجرّد امتناع عن الطعام، بل مسيرة تحرّر. فالصوم ليس حرمانًا، بل تحريرًا من التعلّق؛ وليس كبتًا، بل تنقية؛ وليس عادة موسمية، بل عودة إلى الجذور. لذلك يرتبط أحد المرفع بعمل داخلي واضح: أن يراجع الإنسان ذاته، أن يصالح من خاصمه، أن يطلب الصفح ويمنحه.

حتى العادات الشعبية تحمل هذا المعنى. اجتماع العائلة في هذا الأحد ليس احتفالًا أخيرًا بالطعام، بل لحظة شكر قبل الانتقال. وفي بعض البيئات، يُحافظ على تقليد طلب السماح المتبادل، تأكيدًا أن الصوم يبدأ من القلب قبل أن يبدأ من المائدة.

أحد المرفع يقف بين الحياة اليومية وزمن النسك، بين الضجيج والصمت، ليقول لكل مؤمن إن القيامة لا تبدأ فجأة في فجر العيد، بل تبدأ اليوم. تبدأ عندما يحسم الإنسان قراره الداخلي: أن يترك ما يثقله، أن يغفر، أن يتواضع، وأن يعود إلى الله بإرادته الحرة. الله يهب القيامة، لكن القلب هو الذي يختار أن يعبر. لذلك، فكل صوم صادق هو قرار عبور، وكل توبة حقيقية هي بذرة قيامة، وكل خطوة نحو النور إعلان بأن الحياة أقوى من الموت.

bottom of page