top of page

حين يتقدّم الانفعال على الإيمان: أيّ مسيحية نريد في حياتنا العامة؟


مارونايت نيوز - منذ انطلاقتها، اختارت مارونيت نيوز أن تعتمد خطابًا جامعًا، لا يقوم على النعرات الحزبية ولا على الاصطفافات الضيقة، بل على البحث الدائم عن مساحات اللقاء والمصالحة. لأننا نؤمن بأن الأخوّة، مهما اشتدّت الخلافات، لا يمكن أن يكون مصيرها إلا العودة إلى منطق الصلح.

حين نكتب في السياسة، لا نفعل ذلك بروح الاصطفاف، بل بروح المسؤولية. مرجعيتنا واحدة، سواء كان الموضوع داخل الإطار المسيحي أو في الشأن الوطني العام: الضمير الحرّ المستند إلى الحقّ والعدل والكرامة الإنسانية. كما نؤكد دور المسيحيين التاريخي والتأسيسي في قيام لبنان، ودور الموارنة في بناء الجمهورية، وحقّهم في شراكة كاملة غير منقوصة، بعيدًا عن أي إقصاء أو تهميش، ولا سيّما أنّ مراكز مارونية أساسية في الدولة انتُزعت بقوة الاحتلال السوري، وما تزال آثار ذلك الخلل قائمة في التوازن الوطني حتى اليوم.

غير أنّ ما يدعو إلى القلق ليس اختلاف الآراء، بل مستوى التعاطي معها. حين يتحوّل النقاش السياسي إلى انفعال، وحين يصبح الاختلاف سببًا للتخوين أو لنزع صفة الانتماء عن الآخر، نكون قد غادرنا السياسة ودخلنا في أزمة وعي.

لسنا في صراع بين أحزاب، ولا في معركة بين زعامات. القضية أعمق من ذلك. نحن أمام سؤال يتعلّق بطريقة تفكيرنا نحن، كأفراد. هل نقيس مواقفنا بميزان المبادئ، أم بميزان الولاء؟ هل نحتكم إلى قيمنا الإيمانية، أم إلى مشاعرنا اللحظية؟

لا نسعى إلى إصلاح أحزاب، ولا إلى محاكمة زعماء. نحن نخاطب الإنسان الذي يقرأ، وضميره، ومسؤوليته الشخصية. لأن السياسة، في نهاية المطاف، ليست فقط ما يفعله القادة، بل أيضًا ما يقبله الناس ويبرّرونه ويدافعون عنه.

المسيحية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا هوية تُستخدم في مواجهة المختلف. المسيحية التزام أخلاقي يرفض الإلغاء، ويرفض أن يتحوّل الخلاف إلى كراهية. الإيمان لا يتجزأ بين كنيسة وساحة عامة؛ فإن لم يُترجم في طريقة نقاشنا وتعاطينا مع بعضنا البعض، يبقى ادعاءً بلا أثر.

إنّ الارتقاء بالحياة السياسية يبدأ من ارتقاء الفكر. من القدرة على التمييز بين النقد والهجوم، بين المحاسبة والتخوين، بين الثبات على المبدأ والتعلّق بالأشخاص.

السؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا ليس: من نؤيد؟ بل: كيف نفكر؟ وكيف نختلف؟ وكيف نحافظ على إنسانيتنا وإيماننا ونحن نختلف؟

عندها فقط يمكن أن يكون حضورنا في الشأن العام امتدادًا حقيقيًا لإيماننا، لا نقيضًا له.

الفرد بارود

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page