top of page

عندما يسقط الداخل قبل الأسوار: من بورصة ونيقية إلى القسطنطينية… وما يشبهها في لبنان اليوم


مارونايت نيوز - لا تسقط المدن حين تُهدم أسوارها، بل حين يسقط المعنى الذي جعلها مدينة. هذا ما حدث في آسيا الصغرى في القرن الرابع عشر، حين سقطت مدن مسيحية بيزنطية كبرى واحدة تلو الأخرى: بورصة، ثم نيقية، وأخيرًا القسطنطينية. لم يكن هذا السقوط نتيجة قوة عسكرية خارقة بقدر ما كان نتيجة مسار طويل من الانقسام الداخلي، والتخلّي المتدرّج، وانفصال الإيمان عن السلوك السياسي والجماعي. وهذا ما يجعل هذه التجربة التاريخية مرآة خطيرة لواقع مسيحيي لبنان اليوم.

في السنوات الأخيرة من الحكم البيزنطي في آسيا الصغرى، لم تكن الإمبراطورية تعيش أزمة حدود أو نقصًا في المعرفة بحجم الخطر العثماني الصاعد. كانت المشكلة أعمق: دولة منقسمة على ذاتها، سلطة ممزقة بين العائلة الحاكمة والإقطاع، وكنيسة حاضرة في الطقوس واللغة، لكنها عاجزة عن إنتاج موقف جامع. المسيحية بقيت عنوانًا، لكنها فقدت قدرتها على أن تكون رابطًا فعليًا بين الناس والمدن والمصير.

الحرب الأهلية التي اندلعت بين الإمبراطور أندرونيكوس الثاني وحفيده أندرونيكوس الثالث بين عامي 1321 و1328 لم تكن حدثًا عابرًا، بل كانت التعبير السياسي الأوضح عن هذا التفكك. الدولة انشغلت بنفسها، بالعرش وبالنفوذ، فيما كانت مدن الأناضول المسيحية تُستنزف بصمت. الجيش انقسم، الخزينة فرغت، والقوات سُحبت من الشرق لحماية العاصمة ومراكز القرار. لم يكن هناك إنكار للخطر، بل إعادة ترتيب للأولويات، وكان بقاء المدن البعيدة في أسفل اللائحة.

في هذا السياق، جاءت مأساة بورصة. المدينة لم تُهزم في معركة، ولم تُخترق أسوارها، بل تُركت. الحصار العثماني طال سنوات، والإمدادات انقطعت، والجوع فعل فعله. القسطنطينية كانت تعرف، والقرار السياسي كان واضحًا في صمته: لن يأتي أحد. حين استسلمت بورصة سنة 1326، لم يكن ذلك سقوط مدينة فحسب، بل إعلانًا ضمنيًا بأن الجغرافيا المسيحية لم تعد مقدسة، وأن بعض الأطراف يمكن الاستغناء عنها حفاظًا على توازنات الداخل.

بعد بورصة، لم يعد السقوط حدثًا مستغربًا، بل احتمالًا مقبولًا. وهنا تأتي نيقية. نيقية لم تكن مجرد مدينة محاصَرة، بل كانت ذاكرة حية للعقيدة المسيحية، رمزًا لوحدة الإيمان، ومكانًا صيغ فيه قانون الإيمان الجامع. لكنها سقطت سنة 1331 كما تسقط المدن التي تُترك وحدها: عزلة، غياب دعم، وانعدام أفق سياسي. سقوط نيقية كان أخطر من سقوط بورصة، لأنه كشف أن الرمز لا يحمي نفسه، وأن العقيدة حين تُفصل عن السلوك الجماعي تصبح ذكرى لا قوة.

ما بين بورصة ونيقية، لم تُفتح مراجعة، ولم يُطرح سؤال المسؤولية. لم يُعتبر ما جرى خطيئة جماعية، بل ظرفًا. هذا التطبيع مع السقوط هو ما مهّد للمرحلة الأخطر. فحين يعتاد الجسد فقدان أطرافه، لا يعود القلب محصنًا.

وهكذا نصل إلى القسطنطينية. سقوطها سنة 1453 لم يكن مفاجأة تاريخية، بل نتيجة منطقية لمسار طويل. المدينة التي صمدت قرونًا في وجه أعداء كثر، سقطت حين بلغ الانقسام الداخلي ذروته. داخل الأسوار، كان المسيحيون منقسمين: بين من رأى في الاتحاد مع روما خلاصًا بأي ثمن، ومن اعتبره خيانة للعقيدة. الخلاف لم يبقَ لاهوتيًا، بل تحوّل إلى انقسام اجتماعي ونفسي وسياسي. لم يكن هناك موقف جامع، ولا إدراك مشترك بأن المدينة، بما تمثّله، أهم من كل الحسابات الضيقة.

القسطنطينية سقطت بعدما اعتاد الناس سقوط ما قبلها. سقطت لأن بورصة لم تُنقَذ، ولأن نيقية لم تُبكَ بما يكفي، ولأن الانقسام أصبح أسلوب حياة لا حالة طارئة. هنا اكتمل المسار: مدينة تُترك، رمز يُهمَل، وعاصمة تنهار.

هذا النموذج التاريخي ليس حكاية من الماضي، بل نمط يتكرر حين تتكرر أسبابه. ومن هنا يصبح الانتقال إلى واقع مسيحيي لبنان اليوم انتقالًا طبيعيًا لا إسقاطًا قسريًا. ما نراه اليوم من انقسام مسيحي حاد، ومن تقديم للزعامة على الشهادة، ومن تحالفات تُبنى على منطق كسر الخصم المسيحي لا حماية الوجود، يعيد إنتاج السلوك نفسه الذي سبق سقوط المدن البيزنطية.

الخطر في لبنان لا يكمن فقط في موازين القوى، بل في تطبيع التراجع. الهجرة تُبرَّر، الانقسام يُشرعن، والضعف يُفسَّر كواقعية سياسية. كما في بورصة، المشكلة ليست في خسارة موقع، بل في القبول النفسي بفكرة الخسارة. وكما في نيقية، الرمز لا يكفي إن لم يحمله سلوك موحّد. وكما في القسطنطينية، لا عاصمة ولا دور ولا تاريخ محصّن إذا كان الجسد مفككًا.

بورصة ونيقية والقسطنطينية لم تسقط لأن الإيمان المسيحي كان ضعيفًا، بل لأن الإيمان انفصل عن الممارسة، ولأن الوحدة تحوّلت إلى شعار لا التزام. ومسيحيو لبنان اليوم يقفون أمام الامتحان نفسه، وإن تغيّر الزمن واختلفت الأسماء.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد دائمًا النتيجة ذاتها حين تتكرر الأخطاء ذاتها. ومن لا يرى في هذه الصفحات مرآة، قد يجد نفسه يومًا يقرأ الخاتمة ذاتها بأسماء جديدة.

الفرد بارود

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page