هل تحتاج الكنيسة إلى صخب لتبشّر؟ موقف حازم من حدث DJ Padre Guilherme
- Alfred Baroud الفرد بارود
- 57 minutes ago
- 2 min read

حين يُستبدل الإنجيل بالصخب: أي كنيسة نريد؟
بقلم الفرد بارود
نحن في مارونيت نيوز نعلن موقفًا واضحًا لا لبس فيه تجاه الحدث الذي يُروَّج له تحت عنوان “DJ Padre Guilherme”، والذي يُقدَّم – مع الأسف – من قبل بعض الإكليروس وكأنه وسيلة حديثة لجذب الشباب إلى الكنيسة. نقولها بوضوح ومسؤولية: هذا الحدث لا ينسجم مع روح الإنجيل، ولا مع الإيمان كما تسلّمته الكنيسة وفسّره آباؤها عبر العصور.
الكنيسة ليست منصّة عروض، ولا مساحة ترفيه ديني، ولا صدى للصخب المعاصر. الكنيسة هي جسد المسيح، وبيت الصلاة، ومدرسة التوبة، ومكان اللقاء الحقيقي بين الإنسان والله. وحين يُستبدل هذا العمق الروحي بضجيج مُلفت، تتحوّل الرسالة من خلاص النفوس إلى استعراض، ومن شهادة للحق إلى محاولة إرضاء الأذواق.
يحذّر الرسول بطرس بوضوح حين يقول:«سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ حَسَبَ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِم» (2 بطرس 3:3).هذا التحذير لا يقتصر على إنكار الإيمان أو السخرية العلنية منه، بل يطال ذهنيّة أخطر: ذهنيّة تفرّغ المقدّس من معناه، وتُخضع رسالة الكنيسة لمنطق الرغبة واللذة والبحث عن التأثير السريع.
ويُكمل الرسول يهوذا الصورة بكلام أكثر حدّة حين يقول:«هؤُلاَءِ هُمُ الْمُعْثِرُونَ، نَفْسَانِيُّونَ، لاَ رُوحَ لَهُمْ» (يهوذا 19).التمييز هنا أساسي بين ما هو “نفسي” وما هو “روحي”. فالكتاب المقدّس يرفض الخلط بين الانفعال العاطفي والفرح الحقيقي، وبين الصخب الذي تُنتجه الحواس، والفرح الذي يولده الروح القدس في قلب الإنسان.
من هنا، يضع الرسول بولس معيارًا حاسمًا لهوية الكنيسة وسط العالم، فيقول:«وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ» (رومية 12:2).هذه الآية لا تدعو إلى الانعزال، بل ترفض الذوبان. الكنيسة مدعوّة إلى مخاطبة العالم، لا إلى التشبّه به، وإلى تجديد الذهن لا إلى تقليد أدواته وثقافته حين تُفرّغ الإيمان من عمقه.
ويؤكّد الرب يسوع نفسه هذا المبدأ الجوهري في صلاته الكهنوتية حين يقول عن تلاميذه:«أَنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ» (يوحنا 17:16).الانتماء هنا ليس جغرافيًا ولا ثقافيًا، بل روحي ورسالي. الكنيسة تعيش في العالم، لكنها لا تستمدّ هويتها منه، ولا تقيس نجاحها بمعاييره، ولا تستعير لغته حين تُناقض جوهر دعوتها.
آباء الكنيسة شدّدوا مرارًا على هذه الحقيقة. فالانحراف الأخطر لا يبدأ بالعداء الصريح للإيمان، بل بالتنازل التدريجي عن وقار العبادة، وبخلط المقدّس بالعادي، وبمحاولة إرضاء الناس بدل الشهادة للحق. الكنيسة، بحسب فهمهم، لا تُقاس بعدد المتجمّعين حولها، بل بصدق الرسالة التي تحملها.
لسنا في مارونيت نيوز ضد الفرح. الإيمان المسيحي هو إيمان القيامة، والفرح جزء أصيل من الحياة المسيحية. لكننا نرفض رفضًا قاطعًا أن يُختزل هذا الفرح في ضجيج، أو إيقاعات، أو مشاهد تُفرغ الإيمان من جوهره، وتحوّل الرسالة إلى منتج استهلاكي.
إن ما نشهده في هذا الحدث ليس “أسلوبًا تبشيريًا جديدًا”، بل مثال واضح على ما حذّر منه الكتاب المقدّس والآباء معًا: محاولة تكييف الكنيسة مع منطق العالم بدل أن تبقى علامة تناقض له. والكنيسة، حين تفقد تميّزها، تفقد رسالتها.
هذا موقفنا، نعلنه بوضوح ومن دون مساومة.وهذا توقيعنا:الكنيسة ليست صدى للصخب، بل شاهدة للحق، وحاملة لرجاء لا يُختزل، ولا يُباع، ولا يُشوَّه.
الفرد بارود









