هل نعيش الفصل الأخير من دولة 1920… أم سقوط ثقافة صنعت وهماً اسمه الدولة؟
- Alfred Baroud الفرد بارود

- 2 minutes ago
- 2 min read

مارونايت نيوز - هل ابتدأت المرحلة الأخيرة من توديع الدولة اللبنانية، دولة 1920، دولة التعددية والديمقراطية والانتماء إلى لبنان، تلك التي أُريد لها أن تكون كياناً سيادياً حراً، وأُسّست على فكرة الشراكة لا الغلبة؟ ماذا تبقّى فعلاً من الدولة؟
المشهد يوحي بكيانٍ كوحشٍ ذي ثلاثة رؤوس رسمية، لكن حوله ما لا يُحصى من الرؤوس غير الرسمية، تملك من التأثير ما يفوق النصوص الدستورية. حتى الجيش، الذي كان يُقدَّم طويلاً على أنه المؤسسة الجامعة والمدلّل عالمياً. لم يعد قائده مرحّباً به كما كان يُفترض في دولة مستقلة القرار. أما قوى الأمن الداخلي، فتبدو كمدرسة داخلية أكثر منها جهازاً ضابطاً، فلا عنصر على الطريق ولا على الأوتوستراد، والغابة فالتة للأقوى، وللسيارة الأكبر، وللرقم المميّز الذي يفرض نفسه، وللزجاج الداكن الذي يعلو فوق القانون.
وفي الخلفية، تتراكم طبقات أخرى من الاختلال: عمال أجانب بأعداد تفوق ربع سكان لبنان، نازحون سوريون، لاجئون فلسطينيون، جيوش أجنبية على كامل مساحة الأرض. من يملك القرار الفعلي؟ ومن يرسم حدود السيادة؟ أهي الدولة، أم توازنات تتجاوزها؟
عدالة انفجار المرفأ تنتظر السيادة!
حتى رجال الدين لم يعودوا خارج المشهد السياسي. كلٌّ يعيش تيوقراطيته الخاصة، وكلٌّ يحشد الأتباع على صفحته على فايسبوك، وكأن كل واحد منهم وكيل حصري للخالق، يوزّع الشرعية ويحتكر الحقيقة. تحوّل الخطاب الديني إلى زعامة رقمية، وتحول الإيمان إلى اصطفاف.
اقتصادياً، ترتفع أسعار البنزين، وترتفع الضريبة على القيمة المضافة بحجة دفع مستحقات ورواتب موظفين ناهز عددهم ثلاثة أرباع الطاقة العاملة من الشعب اللبناني، من دون إنتاج عام يوازي هذا التضخم. تشليح من هول لهول، فيما الإدارة العامة لا تعيد النظر في تخمة عدد الموظفين، ولا في بنية الفساد، بل تختار الطريق الأسهل: الإفقار المنهجي وصولاً إلى الذهب اللماع وبيعه، من دون تدقيق جنائي حقيقي يجيب: أين ذهبت الأموال المنهوبة؟ ومن نهبها؟
تحوّلت الدولة إلى معادلة مختصرة: “اسرق ولا تخف”، بل اسرق ولك مكافأة. سيبيعون الذهب لأنهم محميّون من الخارج في غياب عدالة محاكمنا الوطنية، ولأن القرار السيادي لم يعد قراراً خالصاً. من يملك حق اتخاذ القرار؟ أم أن الجميع مشغّلهم واحد، والجميع زملاء في المنظومة نفسها؟
السؤال الأعمق ليس مالياً فقط، بل وجودي: ماذا بعد هذه الدولة؟ ما هو شكل أرض لبنان دولياً إذا استمرّ التآكل السيادي بهذا الشكل؟
أما على مستوى المجتمع، فإن استمرار الهجرة ونزيف الشباب يهددان بتحويل الداخل إلى مأوى عجزة ينتظر موت آخر معمّر. إذا لم يعد المغتربون، وإذا لم تُستعاد الطاقات، فإن المجتمع نفسه يفقد ديناميته. الاغتراب لم يعد ظرفاً، بل أصبح نموذجاً للحياة.
لكن الأخطر أن أزمة الدولة ليست منفصلة عن أزمة الثقافة. لبنان الحلم، المغنّى، بقي فناً سابعاً لم يقترن بواقع. درسنا أحلاماً في مدارسنا وجامعاتنا. بقينا ننتظر ساحراً يأتي من أي مكان ليضبط الوضع، فيما جرح الشباب ينزف من شرايين لبنان ليصبّ في اغتراب مجّدته مجتمعاتنا ومدارسنا، لأنهم، وبالفعل، وكلاء، وليس لهم من شلوش الأرز سوى ما علّمونا أن نغنّيه، ذاك الذي جاء بعد المتنبي وجان جاك روسو، بين شعرٍ عالٍ وفلسفةٍ جميلة، من دون أن نبني دولة واقعية تحمي أرضاً وحدوداً ومؤسسات.
اليوم، يُطرح بيع الذهب، وغداً قد تُطرح أوقاف الأديان بحجة بناء مدارس في أسقاع الأرض. كأننا لم نعد بحاجة إلى وطن محدد، بعدما قبلنا العولمة باعتبار العالم قرية واحدة، وذهبنا إلى أبعد نقطة عن الأساس.
السؤال لم يعد إن كانت الدولة ضعفت، بل إن كانت الثقافة التي صنعت وعينا السياسي هي التي قادتنا إلى هذا الضعف. هل نحن أمام نهاية دولة 1920، أم أمام سقوط وهمٍ صدّقناه طويلاً؟
الجواب يتشكّل الآن، على أرضٍ تتغيّر ملامحها كل يوم.
الفرد بارود







Comments