top of page

عندما يُفصَل الفرح عن التوبة: تحريفٌ صريح لمعنى الإنجيل


مارونايت نيوز - ليس في الإنجيل فرحٌ بلا توبة، ولا غناءٌ يسبق العودة، ولا رقصٌ يُستدعى ليحلّ مكان الانكسار. كل قراءة تحاول تقديم الفرح كمدخل إلى الخلاص، أو كأداة جذب، أو كبديل عن التوبة، هي قراءة مناقضة صريحة للنصّ الكتابي، مهما تلحّفت بعناوين رعوية أو لغات معاصرة.

أولًا: مثل الابن الضال – الترتيب الإلهي غير القابل للكسر

في مثل الابن الضال في إنجيل لوقا (15: 11–32)، لا يترك الرب مجالًا للاجتهاد: الابن تاب قبل أن يفرح البيت. اعترف قبل أن يُلبَس الحُلّة. تاب قبل أن يُسمَع الغناء.

«أخطأتُ إلى السماء وقدّامك» هي مفتاح الدخول. بعد هذه الكلمة فقط يُستعاد مقام البنوة، وعندها وحدها يُذكَر «صوت موسيقى ورقص». الفرح هنا نتيجة لا وسيلة، وثمرة لا مدخلًا.

يفسّر القديس يوحنا الذهبي الفم هذا المشهد بوضوح قاطع: السماء لا تفرح بالخاطئ إلا حين يتوب. لذلك، فإن نقل مظاهر الفرح هذه إلى أي سياق لا يسبقه اعتراف صريح هو قلبٌ للإنجيل رأسًا على عقب.

ويؤكّد القديس أغسطينوس أن الفرح المذكور ليس حركة جسد، بل سلام ضمير عاد إلى الحق. من لم يتغيّر قلبه، لا يفرح حقًا، ولو علا صوته.

الخلاصة الحاسمة: لا غناء إنجيلي بلا توبة. ولا فرح كتابي قبل المصالحة. وأي عكس لهذا الترتيب تحريفٌ.

ثانيًا: عرس قانا – الفرح الذي لا يقوم بذاته

يروي إنجيل يوحنا (2: 1–11) عرس قانا، حيث صنع الرب أولى آياته. النصّ لا يمجّد العرس كاحتفال، بل يكشف عجز الفرح الإنساني: «نفد الخمر». هذا إعلان صريح أن الفرح، إن تُرِك لذاته، ينتهي.

تدخّل المسيح لم يكن إطلاقًا للصخب، بل إنقاذًا للفرح عبر النعمة. تحويل الماء إلى خمر ليس تشريعًا للاحتفال، بل علامة لاهوتية: ما هو بشريّ يفرغ، وما هو إلهيّ يجدّد.

يشرح القديس كيرلس الإسكندري أن العجيبة تُظهر انتقال الفرح من مستوى العادة إلى مستوى النعمة. حضور المسيح هو الشرط، والنعمة هي الضامن. من دون هذا الحضور، لا معنى لأي فرح، ولا قداسة لأي عرس.

إذًا: عرس قانا لا يبرّر ممارسة منفصلة عن قداسة المسيح، بل يدين كل فرح يُستغنى فيه عن النعمة.

ثالثًا: تحذير الرب من الفرح المبتور عن الحق

قول الرب: «زمرنا لكم فلم ترقصوا» (متى 11: 17) ليس مديحًا للرقص، بل إدانة لقلوب تطلب الإحساس وتتهرّب من التوبة. النصّ يفضح نزعة تحويل الدعوة الإلهية إلى استجابة مزاجية. الإنجيل يرفض هذا المنطق رفضًا قاطعًا.

رابعًا: داود والمزامير – تمجيد لا استعراض

في العهد القديم، يبرز داود مثالًا واضحًا لا لبس فيه. داود رقص أمام الرب، لا أمام جمهور، وكتب المزامير تمجيدًا للرب لا للذات. هذا الفرح:

  • موجَّه إلى الرب وحده،

  • مرتبط بالعبادة،

  • خالٍ من أي توظيف ترفيهي.

المزامير ليست أناشيد لإثارة الإحساس، بل صلوات لتسليم القلب. لذلك، الاستناد إلى داود والمزامير لا يفتح بابًا للانفلات، بل يغلقه بإحكام: التمجيد عبادة، لا عرضًا.

الخلاصة العقائدية غير القابلة للتأويل

الكتاب المقدّس يقرّر بلا تردّد:الفرح ثمرة التوبة، لا بديلًا عنها. والغناء اعتراف بالخلاص، لا وسيلة لجذبه. وأي ممارسة تفصل الفرح عن التوبة تُفرِّغ الإنجيل من جوهره.

كل محاولة لاستخدام نصوص الفرح لتبرير واقع منفصل عن الاعتراف والتوبة ليست قراءة كتابية، بل تطويع للنصّ يخدم اللحظة ويخون الإعلان.

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page