top of page

القديسة ريتا وعلاقتها بالرب يسوع المسيح

مارونايت نيوز - لم تكن قداسة ريتا في العجائب فقط، ولا في شهرتها كشفيعة للأمور المستحيلة، بل في سرّ أعمق: لقد عاشت علاقتها بالرب يسوع المسيح كاتحاد يومي بالصليب. لم تكن تنظر إلى المسيح من بعيد، بل دخلت معه في طريق الألم، والغفران، والصمت، واحتمال الظلم.

تجربة القديسة ريتا بدأت من بيتها. كانت فتاة تميل إلى الصلاة والحياة المكرّسة، لكن حياتها أخذت طريقًا آخر عندما تزوّجت من رجل صعب الطباع. هنا يظهر أول وجه من علاقتها بالمسيح: لم تهرب من واقعها، ولم تجعل الألم سببًا للتمرّد على الله، بل حوّلت بيتها إلى مكان صلاة واحتمال. رأت في يسوع المصلوب مثالًا للوداعة، فحملت قسوة الحياة الزوجية بروح لا تبحث عن الانتقام، بل عن الخلاص والسلام.

كانت ريتا تعرف أن المحبة المسيحية ليست كلامًا عاطفيًا. المحبة عندها كانت صبرًا، وغفرانًا، وقدرة على ألا تردّ الشر بالشر. في هذا تشبهت بالرب يسوع الذي غفر لصالبيه. لذلك يمكن القول إن علاقتها بالمسيح لم تكن علاقة طلب فقط، بل علاقة تشبّه: كانت تريد أن يكون قلبها شبيهًا بقلبه.

وعندما قُتل زوجها، دخلت القديسة ريتا في امتحان أقسى. كان بإمكانها أن تنجرف مع منطق الثأر، خصوصًا أن المجتمع حولها كان يعيش عقلية الانتقام والعائلات المتنازعة. لكنها اختارت منطق المسيح. صلّت لكي لا يتحوّل ابناها إلى أدوات للدم والثأر. هنا تبلغ علاقتها بالرب يسوع درجة عالية جدًا، لأن الإنسان عندما يطلب السلام بدل الانتقام يكون قد دخل فعلًا في روح الإنجيل.

بعد وفاة زوجها وابنيها، لم تعتبر ريتا أن حياتها انتهت، بل فهمت أن المسيح يدعوها إلى عمق جديد. دخلت الدير، وهناك عاشت حياة صلاة وتأمل واتحاد بآلام الرب. لم تكن رهبنتها هروبًا من العالم، بل انتقالًا من جراح العالم إلى قلب المسيح. كل ما عاشته من ألم صار مادة صلاة، وكل خسارة تحوّلت إلى قرب أكبر من يسوع.

أقوى علامة في حياة القديسة ريتا كانت جرح الشوكة في جبينها. بحسب التقليد، كانت تتأمل بعمق في آلام المسيح المكلّل بالشوك، وطلبت أن تشارك الرب شيئًا من آلامه. فحملت على جبينها جرحًا بقي معها سنوات. هذه العلامة لا تُفهم كألم جسدي فقط، بل كختم روحي: ريتا لم ترد أن تحب يسوع من دون صليبه، ولم ترد أن تقترب منه من دون أن تشاركه طريقه.

علاقتها بالرب يسوع كانت علاقة عروس بالمصلوب، لا بمعنى عاطفي سطحي، بل بمعنى كتابي وروحي عميق: نفس سلّمت ذاتها للمسيح، وقبلت أن تتطهّر بالمحبة، وأن تتحوّل جراحها إلى شفاعة للآخرين. لذلك صار الناس يلجأون إليها في المستحيلات، لأن حياتها نفسها كانت سلسلة من المستحيلات التي حوّلها الله إلى نعمة.

تعلّمنا القديسة ريتا أن القرب من المسيح لا يعني أن الحياة تصبح سهلة، بل أن الإنسان لا يعود وحيدًا داخل الألم. وتعلّمنا أيضًا أن الصليب ليس نهاية الطريق، بل هو المكان الذي تتحوّل فيه المرارة إلى غفران، والخسارة إلى رجاء، والضعف إلى قداسة.

لذلك، من يريد أن يفهم القديسة ريتا لا يكفي أن ينظر إلى الوردة أو الشوكة أو العجائب. عليه أن ينظر إلى قلبها: قلب امرأة جُرحت كثيرًا، لكنها لم تسمح للجراح أن تصنع منها إنسانة قاسية. حملت صليبها مع يسوع، فصار ألمها صلاة، وصار صمتها قوة، وصارت حياتها شهادة أن المسيح قادر أن يحوّل أكثر البيوت وجعًا إلى طريق قداسة.

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page