top of page

القديسة اللبنانية أفدوكيا البعلبكية


مارونايت نيوز - في بعلبك القديمة، يوم كانت تُعرف باسم هليوبوليس، عاشت امرأة اسمها أفدوكيا، أو إيدوكيا، وكانت مشهورة بجمالها وغناها وحضورها القوي بين الناس. تقول السيرة الكنسية إنها كانت من أصل سامري، وإن حياتها الأولى لم تكن حياة نسك أو تقوى، بل حياة مرفهة يغلب عليها المجد الشخصي والمال والملذات.

لكن التحوّل الكبير في حياتها بدأ عندما سمعت صوت راهب اسمه جرمانوس. لم يكن اللقاء، بحسب التقليد، مجرّد حديث عابر. سمعت منه كلاماً عن الدينونة، وعن المصير الأبدي، وعن الإنسان الذي يربح العالم كلّه ثم يخسر نفسه. دخل الكلام إلى قلبها كالسهم، وبدأت ترى حياتها بعين مختلفة. ما كان يُدهش الناس حولها لم يعد يرضيها في داخلها، وما كان يبدو نجاحاً صار أمامها فراغاً يحتاج إلى خلاص.

اعتزلت أفدوكيا أياماً في الصلاة والصوم، وبدأت رحلة توبة عميقة. لم تكن توبتها شكلاً خارجياً، بل انقلاباً كاملاً في الاتجاه. طلبت المعمودية، فاعتمدت على يد أسقف هليوبوليس، ثم اتخذت قراراً حاسماً: وزّعت أموالها على الفقراء والمحتاجين، وتركت حياة الرفاهية، ودخلت في طريق النسك والعبادة.

منذ ذلك الوقت، لم تعد أفدوكيا تُعرف بجمالها أو بثروتها، بل بقوة توبتها. سكنت في حياة زهد وصلاة، وصارت شاهدة على أن الإنسان لا يُختصر بماضيه، وأن النعمة قادرة أن تحوّل القلب حين يفتح لها الباب. لذلك تحتل مكانة خاصة في التراث الكنسي، لأنها لا تُقدَّم فقط كشهيدة، بل كتائبة عظيمة وناسكة غلبت ذاتها قبل أن تواجه مضطهديها.

وصل خبر تحوّلها إلى السلطات، فاستُدعيت وسُئلت عن إيمانها. كان المطلوب منها أن تتراجع، أن تعود إلى ما كانت عليه، أو أن تخضع لمنطق القوة والخوف. لكنها بقيت ثابتة. لم تعد أفدوكيا المرأة التي يبحث الناس عنها بسبب جمالها ومالها، بل صارت امرأة تعرف لمن تنتمي، وتعرف أن حياتها الجديدة أثمن من كل ما تركته وراءها.

وبحسب التقليد، انتهت حياتها بالاستشهاد، إذ قُتلت بسبب تمسّكها بالمسيح ورفضها التراجع عن إيمانها. هكذا خُتمت قصة أفدوكيا البعلبكية: امرأة بدأت حياتها في شهرة الأرض، وانتهت في مجد الشهادة.

تُذكر القديسة أفدوكيا في الكنائس الشرقية كشهيدة من بعلبك، ويمتاز حضورها الروحي بأنها صورة للتوبة التي لا تقف عند الندم، بل تتحوّل إلى حياة جديدة. قصتها تقول إن القداسة ليست حكراً على من بدأوا حياتهم بلا سقوط، بل هي أيضاً طريق مفتوح لمن ينهضون بصدق، ويتركون خلفهم ما كان يقيّدهم، ويمضون حتى النهاية في طريق الله.

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page