top of page

هل فعلاً يوجد ما يُسمّى بـ“الدولة العميقة”، أم أنّه تشويهٌ للحقيقة وضربٌ للدولة في مقتل؟


مارونايت نيوز - هذا ما نقوله عمّا يُقال ويُحكى عن “الدولة العميقة”. هذا هو موقفنا بوضوح: نحن ضد ما يُسمّى بالدولة العميقة. وإذا وُجدت فعلاً، فيجب إلغاؤها، لأنها لا تمثّل الشفافية التي يضمنها الدستور.

أمّا ما يجب أن يكون “عميقًا” حقًا، فهو أسس الدولة الظاهرة نفسها، أي الدستور وجميع النصوص القانونية. ومن هنا نرفض أي واقع تُكرَّس فيه فكرة الدولة العميقة، حتى كمصطلح، لأن هذه “الدولة” ليست سوى شبكة مصالح وعصابات حيثما وُجدت، تتعارض مع الإرادة العامة وجوهر القانون. وهي، بطبيعتها، لا تتأثر بظروف المواطنين، ولا يتبدّل نهجها حتى لو تغيّرت وجوه الموظفين والوزراء والنواب. هذا الثبات في النهج هو جوهر ما يُسمّى بالدولة العميقة.

والذين يأتوننا اليوم ليبشّرونا بضرورة “تغيير الدولة العميقة”، نقول لهم بوضوح: أنتم جزء منها. أنتم لا تريدون إلغاءها، بل استبدال من يسيطر عليها. والدولة العميقة لا تُصلَّح، بل تُقتلع من جذورها، لأنها العصابة التي تتحكّم بمفاصل الوطن. فهل يُعقل أن نقبل باستبدال عصابة بأخرى؟

نحن نريد فقط سيادة القانون والدستور، فهذا هو الركن الأساس لأي دولة. قد يذهب أشخاص ويأتي آخرون، لكن المطلوب أن يخدم الجميع الدولة الظاهرة، لا أن يكونوا واجهة لدولة خفية لا تتغيّر. ومن واجب مؤسسات القضاء في الدولة الظاهرة ملاحقة كل من يثبت انتماؤه إلى شبكات فساد أو سرقة، وتوقيفه ومحاكمته وإنزال أشد العقوبات بحقه. هذا هو الحل، وهذا هو منطق الدولة. أمّا توصيف العصابة بـ“الدولة العميقة” فليس سوى تضليل يهدف إلى إضفاء شرعية عرفية على الفساد.

كما أن إدخال مصطلح “الدولة العميقة” بحد ذاته يُعدّ اعترافًا ضمنيًا بوجود دولتين، وهنا تكمن الخطورة. فالدولة لا تتعدّد، ولا يجوز إطلاق صفة “الدولة” إلا على الدولة الدستورية. أمّا رفع صفة “دولة” على عصابات أو فاسدين، فليس إلا محاولة لمنحهم شرعية لا يستحقونها. ومن يدعو اليوم إلى “تغيير مبادئ الدولة العميقة” إنما يكرّس هذه الازدواجية، سواء كانت بين دولة ظاهرة وأخرى خفية، أو بين سلاح شرعي وآخر يُراد فرض شرعيته. المعادلة واحدة في كل الحالات.

وإذا اعترفنا بوجود “دولة عميقة” مبدئيًا وفعليًا، فإن في ذلك استهزاءً بكرامة كل مواطن يمارس حقه في الانتخاب على مختلف المستويات، لأن صوته يصبح بلا قيمة، أيًا كان من انتخب. إذ يتحوّل ممثّلوه إلى مساطر ورابوخ بلا تأثير في ظل سلطة ما يُسمّى بالدولة العميقة. وهنا يٌضرب مبدأ المحاسبة من أساسه: من يُحاسب مَن؟ وإذا سلّمنا جدلًا بأن “الدولة العميقة” هي التي تُحاسب أو تسمح بالمحاسبة، فهذا يعني أن العصابة ليست دولة خفية، بل هي الدولة الفعلية الظاهرة.

وفي هذه الحالة، ما الحاجة أصلًا إلى تغطية الفساد، إذا كان هو الحاكم؟ وما جدوى المحاكم والعدالة، إن تحوّلتا إلى أدوات لتصفية الحسابات وحماية المنظومة نفسها بدل محاسبتها؟

الخلاصة واضحة: لا دولتين في وطن، ولا قانون بمعيارين. المطلوب دولة واحدة، مرجعها الدستور، وسلطتها القانون وحده. وإذا ظهرت أي مظاهر فساد، فليأخذ القانون مجراه، من دون اللجوء إلى تسميات مضلِّلة كـ“الدولة العميقة”.

الفرد بارود

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page