من قنوبين إلى بكركي يبقى 25 أيار عيد لبنان الهوية
- Alfred Baroud الفرد بارود
- 2 minutes ago
- 5 min read

مارونايت نيوز - لم يكن 25 أيار 1823 يوماً عادياً في تاريخ الموارنة ولبنان. في ذلك اليوم، اجتمع المطارنة الموارنة في دير سيدة قنوبين، وانتخبوا المطران يوسف بطرس حبيش بطريركاً على الكرسي الأنطاكي الماروني، بعد وفاة البطريرك يوحنا الحلو. ظاهرياً، كان الحدث انتخاباً كنسياً. أمّا في عمقه، فكان بداية مرحلة جديدة في تاريخ جبل لبنان، يوم بدأت البطريركية تنتقل من ذاكرة الاحتماء في الوادي إلى حضور وطني أوسع، حمل في داخله ملامح لبنان قبل أن يولد الكيان بقرن تقريباً.
قنوبين لم تكن مكاناً جغرافياً فقط. كانت ذاكرة. كانت صخرة وصلاة ومقاومة وجود. في وادي قاديشا، لم يحفظ الموارنة إيمانهم وحده، بل حفظوا معنى الحرية في زمن لم تكن فيه الدول الحديثة قد رُسمت، ولا الحدود قد استقرّت، ولا السيادة قد صارت مفهوماً دستورياً. هناك، في عمق الوادي، تشكّل وجدان جماعة عرفت أن الأرض لا تبقى لأهلها إذا ضاعت الهوية، وأن الإيمان لا يعيش إن لم يتحوّل إلى كرامة وحضور ومسؤولية.
من قنوبين إلى بكركي، لم يكن 25 أيار مجرّد تاريخ في الروزنامة، بل محطة من ذاكرة لبنان العميقة، حيث صانت البطريركية المارونية الهوية قبل أن يولد الكيان.
من هذا العمق جاء انتخاب يوسف بطرس حبيش. وُلد في ساحل علما سنة 1787، وتعلّم في مدرسة عين ورقة، تلك المدرسة التي لم تكن مجرّد مؤسسة تعليمية، بل مصنعاً للنخبة المارونية واللبنانية، ومختبراً مبكراً لوعي جديد في الجبل. رُسم كاهناً سنة 1814، ثم أصبح أسقفاً على طرابلس سنة 1820، قبل أن يُنتخب بطريركاً في 25 أيار 1823، ويُتوَّج بعد أيام في 29 أيار.
كان عمره يومها نحو ستة وثلاثين عاماً، لكن المرحلة لم تكن تسمح بصغر الأدوار. جاء بطريركاً في زمن صعب، حيث كانت السلطنة العثمانية تضغط على جبل لبنان، وحيث كانت القوى المحلية تتصارع، وحيث كانت الرياح الدولية تتحرك في الشرق. لم يكن المطلوب من البطريرك أن يدير شؤون الكنيسة فقط، بل أن يحمي شعباً، ويصون توازناً، ويحمل قضية جماعة أرادت أن تبقى حرّة في أرضها.
مع البطريرك حبيش، بدأ حضور بكركي يتبلور أكثر فأكثر. بقيت قنوبين الجذر والذاكرة، لكن بكركي صارت الواجهة والصوت والحضور. ومع الديمان، بقيت البطريركية مشدودة إلى وادي قاديشا، إلى المكان الذي تعلّم فيه الموارنة أن التاريخ لا يُصنع بالاستسلام، بل بالصبر والثبات والعمل. هكذا لم يكن انتقال مركز الثقل البطريركي مسألة مقرّات، بل تحوّلاً في الدور: من كنيسة تحتمي في الجبال إلى كنيسة تقف في قلب الحياة العامة.
في 25 أيار 1823، لم تنتخب الكنيسة بطريركاً فقط، بل ثبّتت حضوراً وطنياً حمل الإنسان والأرض والكرامة في زمن التحوّلات والوصايات.
امتد عهد البطريرك يوسف بطرس حبيش من 1823 إلى 1845، وهي فترة من أكثر مراحل جبل لبنان حساسية. في عهده دخل الحكم المصري إلى بلاد الشام ولبنان بقيادة إبراهيم باشا، واشتدّت الضغوط على الأهالي من خلال التجنيد والضرائب والتدخّل في حياة المجتمعات المحلية. هنا ظهر البطريرك لا كرجل طقس منعزل، بل كراعٍ يعرف أن الدفاع عن الإنسان هو جزء من الدفاع عن الإيمان. رفض التجنيد المفروض، ووقف إلى جانب الناس في وجه السياسات التي كانت تهدّد أبناء الجبل وتحاول تحويلهم إلى أدوات في مشاريع لا تشبههم ولا تعبّر عنهم.
هذه هي النفحة الوطنية الحقيقية في سيرة البطريرك حبيش. لم تكن وطنية شعارات ولا استعراضات. كانت وطنية حماية الإنسان، والدفاع عن الأرض، ورفض إذلال الناس، والوقوف في وجه كل سلطة تريد أن تسلب الجبل قراره وكرامته. قبل أن تولد الجمهورية اللبنانية، كانت بكركي تمارس معنى الجمهورية الأخلاقي: أن يكون الإنسان حرّاً، وأن تكون الجماعة مصانة، وأن تبقى الأرض مرتبطة بأهلها لا بمشاريع الغرباء.
على المستوى الكنسي، أدرك البطريرك حبيش أن الهوية لا تُحمى بالسيف وحده، بل بالعلم والتنظيم والتربية. لذلك اهتم بتقوية التعليم وتكوين الكهنة وتنظيم الحياة الرهبانية، وتابع الدور الكبير لمدرسة عين ورقة، وساهم في ترسيخ مؤسسات تعليمية وروحية جديدة. كان يعرف أن الجماعة التي لا تُعلّم أبناءها تخسر صوتها، وأن الكنيسة التي لا تبني العقول تبقى أسيرة الجدران.
من هنا، يصبح التعليم في عهده عملاً وطنياً بقدر ما هو عمل كنسي. المدرسة كانت وسيلة صمود. الكلمة كانت وسيلة بقاء. تكوين الكهنة والنخب كان جزءاً من حماية الجبل من الذوبان. فلبنان لم يولد فقط من الخرائط والاتفاقات، بل من مدارس وأديرة ووديان وقرى وناس رفضوا أن يكونوا تفصيلاً في إمبراطورية عابرة.
الأوطان لا تُصان بالشعارات، بل بمرجعيات تعرف جذورها وتدافع عن حرية شعبها عندما تضعف السلطة وتضيع البوصلة.
شهد عهد حبيش أيضاً بدايات التوترات الكبرى التي ستقود لاحقاً إلى نظام القائمقاميتين، حين حاولت القوى العثمانية والأوروبية والمحلية أن تجد صيغة لإدارة جبل لبنان المتنوع. لكن الأزمة كانت أعمق من إدارة. كانت أزمة هوية وسلطة ووجود. في قلب هذه التحولات، لم تكن البطريركية المارونية مراقباً من بعيد. كانت حاضرة، تتدخل، تهدئ حين يجب أن تهدئ، وترفع الصوت حين يصبح السكوت خيانة للناس.
هذه هي بكركي التي بدأت ملامحها الوطنية تظهر بوضوح في عهد حبيش: ليست بديلاً عن الدولة، بل شاهدة على ضرورة الدولة. ليست سلطة فوق الناس، بل ضمير يحمي الناس عندما تغيب السلطة العادلة. ليست مشروع انعزال، بل مشروع بقاء حرّ في أرض حرّة. لذلك، عندما نتحدث عن 25 أيار 1823، نحن لا نستعيد تاريخ بطريرك فقط، بل نستعيد لحظة من لحظات تكوين لبنان العميق.
لقد سبق هذا التاريخ ولادة الكيان اللبناني الحديث، لكنه حمل في داخله روحه الأولى. حمل فكرة أن لبنان ليس رقعة جغرافية تُدار من الخارج، ولا تجمّع جماعات خائفة، بل مساحة حرية وهوية وكرامة. حمل فكرة أن الجبل ليس ملجأً للهاربين، بل معقل الذين يعرفون أن الحرية تحتاج إلى جذور. وحمل فكرة أن البطريركية المارونية لم تكن يوماً شاهدة صامتة على مصير لبنان، بل جزءاً من تكوين وعيه وضميره.
في 25 أيار 1823، انتُخب يوسف بطرس حبيش في قنوبين، لكن صدى ذلك الانتخاب خرج من الوادي إلى الجبل، ومن الجبل إلى التاريخ. بدأ عهدٌ جمع بين الصلاة والسياسة بمعناها النبيل، بين الرعاية والدفاع، بين الكنيسة والناس، بين الإيمان والحرية. ومن تلك اللحظة، أخذت بكركي تتقدم أكثر فأكثر نحو دورها الوطني الكبير: أن تحفظ لبنان حين تضعف المؤسسات، وأن تذكّر بالسيادة حين تضيع البوصلة، وأن تقول إن الهوية ليست مادة للتفاوض.
العيد لا يكون عيداً إلا إذا استمر في الزمن، لأن العيد ليس حدثاً يتيماً وقع في لحظة عابرة. ولا يكون عيداً للتحرير إذا كان من يحييه يعيد المحتل إلى لبنان في كل مناسبة.
ليس المطلوب اليوم أن نقرأ 25 أيار 1823 كذكرى جامدة في أرشيف الكنيسة. المطلوب أن نقرأه كدرس لبناني. فالأوطان لا تولد فجأة، ولا تُصان بالخطابات الفارغة. الأوطان تُصان عندما توجد مرجعيات تعرف من هي، وماذا تريد، ولمن تنتمي. والبطريرك يوسف بطرس حبيش كان من تلك الشخصيات التي فهمت أن الكنيسة، في لبنان، لا تستطيع أن تكون بعيدة عن وجع الناس، لأن وجع الناس هو امتحان الإيمان، وكرامتهم هي وجه من وجوه الرسالة.
من قنوبين إلى بكركي، ومن الوادي إلى الجبل، ومن الرعاية الروحية إلى الدور الوطني، يبقى 25 أيار 1823 محطة مضيئة في التاريخ اللبناني. يومها لم يولد لبنان السياسي بعد، لكن شيئاً من لبنان العميق كان يتثبت: لبنان الحرية، لبنان الجذور، لبنان الذي لا يعيش إلا إذا صان هويته، ورفض أن يكون تابعاً، وحمل في ضميره أن الأرض بلا كرامة ليست وطناً، وأن الإيمان بلا حرّية لا يصنع تاريخاً.
الفرد بارود



