زمن ابتزاز الدولة يجب أن ينتهي
- Alfred Baroud الفرد بارود

- 15 hours ago
- 3 min read

مارونايت نيوز
.
فخامة الرئيس جوزاف عون! دولة الرئيس نواف سلام!
ليست الجمهورية اللبنانية اليوم أمام تفصيل سياسي عابر، ولا أمام أزمة حكومية قابلة للترميم بتسوية جديدة من تسويات اللحظة. نحن أمام مفترق وجودي، يعرفه اللبنانيون، وتعرفانه أنتما قبل غيركما: إما دولة تستعيد معناها، أو كيان يبقى أسير الدائرة نفسها التي أنهكته وأفرغته من سيادته وقراره.
لقد تحوّلت عبارة «تدوير الزوايا» في لبنان إلى فلسفة حكم، بل إلى مرض سياسي مزمن. لم تعد تعني الحكمة ولا إدارة التوازنات، بل صارت تعني الهروب من الحقيقة، وتأجيل القرار، وتحويل الحق إلى دائرة مفرغة تدور حول نفسها بلا مخرج وبلا أفق. كأن البلد محكوم بأن يعاود المرض نفسه، وأن يعود دائمًا إلى العادة السيئة نفسها، ثم يُطلب من اللبنانيين أن يصفّقوا لهذا العجز باعتباره حنكة سياسية.
هذه المدرسة، التي أتقنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وسوّقتها وسائل نقل الأخبار والعاملون في الشأن العام كأنها عبقرية خاصة، لم تُنتج دولة. أنتجت تعطيلًا. أنتجت مساومات. أنتجت وطنًا معلّقًا بين نصوص الدستور ومزاج السلاح، وبين المؤسسات الشرعية ومنطق الأمر الواقع.
اليوم، المطلوب منكما ليس تدوير الزوايا، بل إعادة الزوايا إلى مكانها. فالدولة لا تُبنى على الدوائر المفرغة، بل على خطوط واضحة، وقرارات واضحة، ومسؤوليات واضحة. إذا أردتما الدولة فعلًا، فحجر الأساس هو هنا: لا شراكة مع من لا يعترف بالدولة، ولا شرعية سياسية لمن يستعمل الدولة ثم يطعن سلطتها من داخلها.
لا تنتظرا استقالة وزراء حزب الله ووزراء حركة أمل، ولا ذلك الوزير الخامس الهجين. فالانتظار في هذه اللحظة ليس حكمة، بل تنازل مسبق عن حق الدولة في أن تكون دولة. المطلوب اليوم، وبلا تردد، هو إقالتهم جميعًا، على خلفية ما تسببت به أحزابهم من دمار واحتلال للبنان، ومن ضرب لسيادته الوطنية ولمؤسساته الدستورية.
القاعدة يجب أن تكون واضحة: من لا يعترف بسلطة الدولة لا يحق له أن يجلس في حكومتها. ومن يستقوي على الدولة من خارجها، لا يمكن أن يكون شريكًا أمينًا في إدارتها من داخلها.
إن إبقاءهم في مواقعهم يكرّس ازدواجية فاضحة: بمكيال يطلقون العنان لأذرعهم الميدانية في الشارع، وبمكيال آخر يجلسون على طاولة الحكم مستندين إلى هذه الأذرع، بدل أن يستندوا إلى الدستور والقوانين، وكأنهما مجرد وجهة نظر أو زينة شكلية.
وإذا جُرّت الدولة إلى منطق الشارع وحده، دخلت في لعبتهم. عندها يتحوّل مجلس الوزراء من سلطة دستورية إلى هيئة لإدارة الفوضى أو احتواء الاشتباكات. أما الدولة القوية، فلا تُدار من الشارع، بل تقوم حصرًا على الدستور والقانون. ولذلك، فالمطلوب هو معالجة أصل التمرّد، لا الاكتفاء بملاحقة مظاهره.
ولا تخافا من بدعة «الميثاقية» حين تتحوّل إلى سلاح ابتزاز. فالميثاقية، إن كان لها معنى وطني، لا تعني احتكار طائفة من قبل حزبين، ولا مصادرة العائلات اللبنانية الكبرى لحساب تنظيمات متفرّعة عنها. الميثاقية لا تعني أن يصبح السلاح ممثلًا حصريًا لجماعة، ولا أن تُختصر الطائفة الشيعية بحزبين، أحدهما إرهابي والآخر معاقَب.
الطائفة الشيعية في لبنان أكبر من هذا الاختزال. فيها كفاءات، وشخصيات، وأحرار، وأصحاب رأي وكرامة وطنية. ولن يعصى على أحد أن يجد خمسة لبنانيين من الطائفة الشيعية لا علاقة لهم بهذين الحزبين. وإذا تعذّر عليكما إيجادهم، فاسألا الناس. أي مواطن لبناني سيدلّكما على أسماء كثيرة. المطلوب فقط أن يكون القرار موجودًا، وأن يبدأ التنفيذ.
فرصة هذه الجمهورية للاستمرار هي اليوم. واليوم فقط. فلتة الشوط لن تتكرر في كل مرة، ولن يبقى اللبنانيون أسرى الزوايا المدورة التي صنعت هذا الخراب. فإذا عاد البلد مرة أخرى إلى المنطق نفسه، وإلى التسويات نفسها، وإلى طاولة الرئيس بري نفسها، فلن يبقى أمام كثيرين سوى التفكير بالتقسيم، لا حبًا به، بل رفضًا للموت البطيء داخل دولة مخطوفة.
ابدآ. فاللبنانيون الذين يريدون الدولة معكما، قلبًا وقالبًا. لا تنتظرا أن يستقيل هؤلاء ليصنعوا أزمة من غبار. وإن استقالوا، فلتُقبل استقالاتهم فورًا، وليُعيَّن مكانهم لبنانيون من الطائفة الشيعية يؤمنون بالدولة وبسيادتها وبسلطتها.
لكن المطلوب اليوم ليس انتظار الاستقالة. المطلوب هو الإقالة. والمطلوب ليس تبديل أسماء داخل الحكومة فقط، بل إعلان واضح بأن زمن ابتزاز الدولة من داخل الدولة يجب أن ينتهي.
إقالتهم اليوم ليست موقفًا سياسيًا عابرًا.إنها مصلحة وطنية عليا.
الفرد بارود







Comments