top of page

شرح رومية 11: 11-14


مارونايت نيوز


11 فَأَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَيْ يَسْقُطُوا؟ حَاشَا! بَلْ بِزَلَّتِهِمْ صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَمِ لإِغَارَتِهِمْ.

12 فَإِنْ كَانَتْ زَلَّتُهُمْ غِنًى لِلْعَالَمِ، وَنُقْصَانُهُمْ غِنًى لِلأُمَمِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ مِلْؤُهُمْ؟

13 فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ: بِمَا أَنِّي أَنَا رَسُولٌ لِلأُمَمِ أُمَجِّدُ خِدْمَتِي،

14 لَعَلِّي أُغِيرُ أَنْسِبَائِي وَأُخَلِّصُ أُنَاسًا مِنْهُمْ.

يواصل بولس الرسول في هذه الرسالة شرح سرّ تعثر إسرائيل ودخول الأمم إلى الخلاص. وبعد أن بيّن أن البقية نالت بحسب النعمة، وأن الباقين تقست قلوبهم، يطرح سؤالًا جديدًا: هل كانت عثرة إسرائيل لأجل سقوط نهائي؟ فيجيب بحزم: حاشا! فالله، في حكمته، جعل زلتهم بابًا لامتداد الخلاص إلى الأمم، لا لكي يهلك إسرائيل، بل لكي تُثار غيرته ويرجع بعضهم إلى الخلاص.

«فَأَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَيْ يَسْقُطُوا؟» تعني أن بولس الرسول يسأل عن غاية العثرة. هل تعثر إسرائيل بالمسيح كان لكي يسقط سقوطًا نهائيًا لا قيام بعده؟ هل قصد الله أن تكون العثرة نهاية شعبه؟ هذا السؤال يأتي بعد كلامه عن القساوة والسبات الروحي، لكي لا يُفهم أن قصد الله انتهى إلى الرفض الكامل.

«حَاشَا!» تعني رفضًا قاطعًا لهذا الفهم. بولس الرسول لا يقبل أن يُقال إن تعثر إسرائيل هو سقوط نهائي في قصد الله. فالله لم يرفض شعبه، ولم يسقط وعده، وما زال يعمل في التاريخ بالرحمة والحكمة.

«بَلْ بِزَلَّتِهِمْ صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَمِ» تعني أن الله حوّل تعثر إسرائيل إلى باب لخلاص الأمم. عندما رفض كثيرون من إسرائيل الإنجيل، امتدت الكرازة إلى الأمم، ودخل البعيدون إلى رحمة الله. الزلة نفسها لم تكن خيرًا في ذاتها، لكن الله، بحكمته، جعل منها مناسبة لانتشار الخلاص في العالم.

«لإِغَارَتِهِمْ» تعني أن دخول الأمم إلى الخلاص كان له أيضًا قصد تجاه إسرائيل: أن يوقظ غيرتهم الروحية. فالأمم الذين لم يكونوا شعب العهد قبلوا المسيح ونالوا البرّ بالإيمان، وهذا كان ينبغي أن يدفع إسرائيل إلى الانتباه إلى ما فاته، لا إلى البقاء في العناد. الغيرة هنا ليست حسدًا شريرًا، بل يقظة روحية تقود إلى الرجوع إلى الله.

«فَإِنْ كَانَتْ زَلَّتُهُمْ غِنًى لِلْعَالَمِ» تعني أن زلة إسرائيل، أي تعثره في قبول المسيح، صارت في تدبير الله سببًا لامتداد الغنى الروحي إلى العالم. الغنى هنا هو غنى الخلاص والنعمة والإنجيل الذي بلغ الأمم. فالله جعل من الرفض بابًا للكرازة الواسعة.

«وَنُقْصَانُهُمْ غِنًى لِلأُمَمِ» تعني أن نقصان إسرائيل، أي عدم دخوله ككل إلى ملء قبول المسيح، فتح الطريق عمليًا لاتساع دعوة الأمم. وليس المقصود أن الأمم أخذوا الخلاص لأن الله تخلى عن إسرائيل، بل أن الله استخدم هذا النقصان ليُظهر رحمة أوسع تمتد إلى البعيدين.

«فَكَمْ بِالْحَرِيِّ مِلْؤُهُمْ؟» تعني أن بولس الرسول يفتح باب الرجاء. إذا كانت زلتهم ونقصانهم قد صارا غنى للعالم والأمم، فكم يكون أعظم ملؤهم عندما يرجعون إلى قصد الله؟ ملؤهم يشير إلى دخولهم في كمال ما أعدّه الله لهم في المسيح، لا بحسب الافتخار الجسدي، بل بحسب الإيمان والنعمة.

«فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ» تعني أن بولس الرسول يوجّه الكلام مباشرة إلى المؤمنين من الأمم. هو يريد أن يفهموا دخولهم في الخلاص بتواضع، لا بكبرياء على إسرائيل. فالرحمة التي نالوها ليست سببًا للافتخار على الآخرين، بل دعوة لفهم تدبير الله.

«بِمَا أَنِّي أَنَا رَسُولٌ لِلأُمَمِ» تعني أن بولس الرسول يعي خدمته الخاصة التي دعاه الله إليها. هو رسول للأمم، يحمل إليهم بشارة المسيح، ويخدم امتداد الخلاص بينهم. لكن هذه الخدمة لا تجعله ينفصل عن وجعه من أجل إسرائيل.

«أُمَجِّدُ خِدْمَتِي» تعني أنه يكرم خدمته الرسولية ويرفع شأنها، لا افتخارًا بذاته، بل لأنها خدمة الإنجيل وخلاص الأمم. تمجيد الخدمة هنا يعني إعطاءها حقها من الأمانة والجدية، لأن من خلالها يدخل الأمم إلى نعمة الله.

«لَعَلِّي أُغِيرُ أَنْسِبَائِي» تعني أن بولس الرسول يرى في خدمته للأمم وسيلة أيضًا لإيقاظ غيرة أنسبائه حسب الجسد. عندما يرى إسرائيل نعمة الله تعمل في الأمم، قد يتحرك قلب بعضهم للبحث عن البرّ الذي في المسيح. فهو لا يخدم الأمم ضد إسرائيل، بل يخدم قصد الله الذي يريد خلاص الجميع.

«وَأُخَلِّصُ أُنَاسًا مِنْهُمْ» تعني أن رجاء بولس الرسول عملي ومحدد: أن يخلص أناس من إسرائيل. هو لا يتكلم عن فكرة عامة، بل عن خلاص نفوس حقيقية. لذلك كانت خدمته للأمم تحمل أيضًا ثمرًا مرجوًا تجاه أنسبائه، لكي يرجع بعضهم إلى المسيح وينالوا الخلاص.

يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم أن بولس الرسول يمنع الأمم من الافتخار على إسرائيل، لأن تعثر إسرائيل لم يكن سقوطًا نهائيًا، بل استعمله الله ليدخل الأمم إلى الخلاص ويوقظ غيرة إسرائيل.

ويشرح القديس أغسطينوس أن الله يحوّل حتى زلات البشر ضمن قصده الخلاصي، لا لأن الزلة صالحة في ذاتها، بل لأن رحمة الله قادرة أن تُخرج منها خيرًا وخلاصًا للآخرين.

أما القديس كيرلس الإسكندري فيشرح أن دخول الأمم إلى الإيمان بالمسيح يكشف اتساع رحمة الله، وأن هذا الدخول لا يلغي رجاء إسرائيل، بل يشهد أن الخلاص في المسيح مفتوح لكل من يؤمن.

بولس الرسول يعلن في هذه الرسالة أن عثرة إسرائيل لم تكن لكي يسقط سقوطًا نهائيًا، بل إن الله جعل بزلة كثيرين منهم الخلاص للأمم، لكي يوقظ غيرتهم. فإذا كانت زلتهم غنى للعالم ونقصانهم غنى للأمم، فكم بالحري ملؤهم؟ لذلك يمجّد بولس الرسول خدمته كرسول للأمم، راجيًا أن يثير غيرة أنسبائه ويخلّص أناسًا منهم.

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page