شرح رومية 6: 15-23
- مارونايت نيوز

- 3 minutes ago
- 5 min read

مارونايت نيوز
«فَمَاذَا إِذًا؟ أَنُخْطِئُ لأَنَّنَا لَسْنَا تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ؟ حَاشَا! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟ فَشُكْرًا للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا. وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ. أَتَكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ جَسَدِكُمْ. لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ، هَكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ. لأَنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ، كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ الْبِرِّ. فَأَيُّ ثَمَرٍ كَانَ لَكُمْ حِينَئِذٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحُونَ بِهَا الآنَ؟ لأَنَّ نِهَايَةَ تِلْكَ الأُمُورِ هِيَ الْمَوْتُ. وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ، وَصِرْتُمْ عَبِيدًا للهِ، فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَةِ، وَالنِّهَايَةُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.»
يواصل بولس الرسول في هذه الرسالة رفض كل فهم منحرف للنعمة. فكما رفض سابقًا أن يبقى المؤمن في الخطيئة لكي تكثر النعمة، يرفض هنا أن تُستعمل الحرية من الناموس كذريعة للخطيئة. النعمة لا تنقل الإنسان إلى حياة بلا طاعة، بل تنقله من عبودية الخطيئة إلى طاعة البرّ، ومن ثمر الموت إلى ثمر القداسة والحياة الأبدية.
«أَنُخْطِئُ لأَنَّنَا لَسْنَا تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ؟» تعني أن بولس الرسول يواجه اعتراضًا آخر: إذا كان المؤمن لم يعد تحت الناموس بل تحت النعمة، فهل يصبح مسموحًا له أن يخطئ؟ هذا السؤال يكشف سوء فهم للنعمة، لأن النعمة لا تعني غياب الطاعة، بل قوة جديدة للحياة لله.
«حَاشَا!» هي رفض قاطع. بولس الرسول لا يقبل أن تتحول النعمة إلى غطاء للخطيئة. فالنعمة التي تبرر الإنسان هي نفسها التي تحرره وتدعوه إلى القداسة. لذلك لا يمكن لمن هو تحت النعمة أن يجعل الخطيئة طريقًا للحياة.
«أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ» تعني أن الإنسان لا يعيش في فراغ روحي. من يقدّم ذاته لشيء يصير في طاعته. فالحرية الحقيقية ليست أن يبقى الإنسان بلا سيد، بل أن يتحرر من الخطيئة ليصير لله. الطاعة تكشف الانتماء.
«إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ» تعني أن هناك طريقين لا ثالث بينهما: طاعة الخطيئة التي تنتهي إلى الموت، أو طاعة البرّ التي تقود إلى الحياة. الخطيئة لا تبقى فعلًا معزولًا، بل تصير سيدًا يقود إلى الموت. والطاعة لله لا تبقى فكرة، بل طريقًا للبرّ.
«فَشُكْرًا للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ» لا تعني أن بولس الرسول يشكر على العبودية نفسها، بل يشكر الله لأن هذه العبودية صارت من الماضي. كانوا عبيدًا للخطيئة، لكن الله نقلهم إلى حياة أخرى. الشكر هنا على عمل الله الذي حرّرهم.
«وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا» تعني أن التحول لم يكن خارجيًا فقط، بل من القلب. الإيمان المسيحي ليس قبولًا لفظيًا لتعليم، بل طاعة قلبية للتعليم الذي تسلّمه المؤمنون. صورة التعليم تعني الحق الرسولي الذي صاغ حياتهم الجديدة، ودعاهم إلى حياة البرّ في المسيح.
«وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ» تعني أن التحرر من الخطيئة لا يقود إلى استقلال عن الله، بل إلى الانتماء للبرّ. المؤمن لا يتحرر لكي يعود إلى ذاته، بل لكي يعيش للبرّ. العتق هنا خروج من سلطان الخطيئة ودخول في طاعة الله.
«أَتَكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ جَسَدِكُمْ» تعني أن بولس الرسول يستعمل صورة العبودية والطاعة بلغة بشرية مفهومة، بسبب ضعف السامعين وحاجتهم إلى صورة واضحة. هو لا يقصد أن علاقة المؤمن بالله عبودية قهر، بل يستعمل التعبير ليبيّن أن الإنسان يجب أن يقدّم نفسه لله كما كان قبلاً يقدّم نفسه للخطيئة.
«كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ» تعني أن الإنسان قبل النعمة كان يستعمل أعضاءه لخدمة النجاسة والإثم. والخطيئة كانت تقود إلى مزيد من الإثم، لأن من يسلّم نفسه للشرّ ينحدر فيه أكثر. الأعضاء هنا تعني الجسد كله في عمله وسلوكه وأدواته.
«هَكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ» تعني أن الحياة الجديدة يجب أن تظهر في الجسد والعمل. كما كان الإنسان يستعمل أعضاءه للخطيئة، صار الآن مدعوًا أن يقدّمها للبرّ. وغاية هذا التقديم هي القداسة، أي أن يصير الإنسان مكرسًا لله في فكره وجسده وسلوكه.
«لأَنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ، كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ الْبِرِّ» تعني أن عبودية الخطيئة كانت تعني غياب الطاعة للبرّ. من كان عبدًا للخطيئة لم يكن يعيش تحت سلطان البرّ، بل بعيدًا عنه. هذه الحرية من البرّ ليست فضيلة، بل سقوط، لأنها تعني أن الإنسان خارج طريق الله.
«فَأَيُّ ثَمَرٍ كَانَ لَكُمْ حِينَئِذٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحُونَ بِهَا الآنَ؟» تعني أن بولس الرسول يدعو المؤمنين إلى النظر إلى ثمرة الحياة القديمة. ما الذي أعطته الخطيئة؟ الأمور التي كانوا يعيشون فيها صارت الآن سبب خجل، لأن النعمة أنارتهم وجعلتهم يرون حقيقة ما كانوا فيه. الخطيئة قد تعد بشيء، لكنها تترك خجلًا وخرابًا.
«لأَنَّ نِهَايَةَ تِلْكَ الأُمُورِ هِيَ الْمَوْتُ» تعني أن ثمرة الخطيئة الأخيرة هي الموت. ليست المشكلة فقط في الخجل من الماضي، بل في النهاية التي تقود إليها الخطيئة. كل طريق خاضع للخطيئة ينتهي إلى الموت، لأن الخطيئة تفصل الإنسان عن الله، مصدر الحياة.
«وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ، وَصِرْتُمْ عَبِيدًا للهِ» تعني أن الوضع تغيّر جذريًا. أما الآن تشير إلى الحياة الجديدة في النعمة. المؤمنون أُعتقوا من الخطيئة وصاروا لله. وهذه العبودية لله هي الحرية الحقيقية، لأنها تُخرج الإنسان من الموت وتثبّته في الحياة.
«فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَةِ» تعني أن الحياة في الله لها ثمر واضح: القداسة. فالنعمة لا تبقى في الداخل فقط، بل تثمر حياة طاهرة ومكرسة لله. القداسة هنا ليست ترفًا روحيًا، بل ثمرة العتق من الخطيئة والانتماء لله.
«وَالنِّهَايَةُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ» تعني أن طريق البرّ والقداسة ينتهي إلى الحياة الأبدية. كما أن الخطيئة لها نهاية هي الموت، كذلك الحياة لله لها نهاية هي الشركة الأبدية معه. النعمة تقود الإنسان إلى الحياة التي لا تزول.
«لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ» تعني أن الخطيئة تدفع أجرها. من يخدم الخطيئة ينال نتيجتها: الموت. الأجرة هنا تظهر عدل النتيجة، لأن الطريق الذي يختاره الإنسان يحمل ثمره. الخطيئة لا تعطي حياة، بل موتًا.
«وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ» تعني أن الحياة الأبدية ليست أجرة يستحقها الإنسان كما يستحق العامل أجره، بل هبة من الله. لذلك يضع بولس الرسول الفرق بين أجرة الخطيئة وهبة الله: الخطيئة تدفع موتًا، أما الله فيعطي حياة.
«بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا» تعني أن هذه الهبة تُعطى في المسيح وحده. الحياة الأبدية ليست منفصلة عن الرب يسوع، بل هي فيه وبه. من اتحد بالمسيح انتقل من عبودية الخطيئة إلى خدمة البرّ، ومن الموت إلى الحياة.
يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم أن بولس الرسول يقطع كل حجة تجعل النعمة سببًا للتهاون، لأن من أُعتق من الخطيئة لا يعود يقدّم أعضاءه لها، بل يقدّمها للبرّ والقداسة.ويشرح القديس أغسطينوس أن الحرية الحقيقية هي أن يصير الإنسان عبدًا لله، لأن عبودية الخطيئة تقود إلى الموت، أما خدمة الله فتثمر قداسة وحياة أبدية.أما القديس كيرلس الإسكندري فيشرح أن النعمة لا تترك الإنسان في عبودية الأهواء، بل تنقله إلى طاعة البرّ، حيث يصير الجسد نفسه أداة لخدمة الله.
بولس الرسول يعلن في هذه الرسالة أن كون المؤمن تحت النعمة لا يعطيه إذنًا بالخطيئة، بل يدعوه إلى طاعة البرّ. الإنسان عبد للذي يطيعه: إما للخطيئة للموت، أو للطاعة للبرّ. وقد أُعتق المؤمنون من الخطيئة وصاروا لله، فثمرهم للقداسة، ونهايتهم حياة أبدية. لأن أجرة الخطيئة موت، أما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا.







Comments