top of page

شرح رومية 8: 1-8

مارونايت نيوز

«إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ. لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لَا يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ.»

يعلن بولس الرسول في هذه الرسالة جواب الله على صرخة الإنسان في نهاية الإصحاح السابق: «مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟». الجواب هو الحياة في المسيح يسوع، بقوة روح الحياة. فالإنسان الذي كان عاجزًا أمام ناموس الخطيئة والموت، أُعتق الآن في المسيح، ودخل في حياة جديدة لا يحكمها الجسد، بل يقودها الروح.

«إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ» تعني أن حكم الدينونة قد رُفع عن الذين هم في المسيح يسوع. كلمة «الآن» مهمة، لأنها تشير إلى الحالة الجديدة بعد عمل المسيح الخلاصي. فالإنسان في المسيح لا يقف بعد تحت حكم الموت والدينونة، بل في نعمة الخلاص والحياة.

«عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» تعني أن رفع الدينونة مرتبط بالاتحاد بالمسيح. ليس الحديث عن فكرة عامة ولا عن صلاح بشري مستقل، بل عن الذين صاروا في المسيح، أي دخلوا في حياته وموته وقيامته، وثبتوا فيه بالإيمان والمعمودية والنعمة.

«السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ» تعني أن الحياة في المسيح تظهر في السلوك. فالذين هم في المسيح لا يجعلون الجسد، أي الإنسان القديم الخاضع للأهواء والخطيئة، قائدًا لحياتهم، بل يسلكون بحسب الروح، أي بحسب الحياة الجديدة التي يعملها الروح القدس فيهم.

«لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» تعني أن هناك سلطانًا جديدًا دخل حياة المؤمن: سلطان روح الحياة. بولس الرسول يستعمل كلمة «ناموس» هنا بمعنى مبدأ أو قوة عاملة. فكما كان هناك ناموس الخطيئة والموت يسبي الإنسان، صار في المسيح ناموس روح الحياة الذي يحرّر ويحيي.

«قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ» تعني أن الروح القدس في المسيح حرّر المؤمن من السلطان الذي كان يستعبده. الخطيئة والموت لم يعودا السيدين الأخيرين على من هو في المسيح. فالعتق هنا هو تحرير حقيقي من سلطان قديم إلى حياة جديدة.

«لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ» تعني أن عجز الناموس لم يكن بسبب نقص في قداسته، بل بسبب ضعف الإنسان الخاضع للجسد. الناموس يعلن الوصية ويكشف الخطيئة، لكنه لا يعطي الإنسان الساقط قوة التحرر من سلطانها. الضعف كان في الجسد، أي في الإنسان القديم غير المتجدد.

«فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ» تعني أن الله نفسه صنع ما عجز الإنسان عن صنعه. الخلاص لم يأتِ من قدرة الإنسان، بل من مبادرة الله. فالآب أرسل الابن لكي يحقق في الإنسان ما لم يستطع الناموس أن يحققه بسبب ضعف الجسد.

«فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ» تعني أن ابن الله أخذ جسدًا حقيقيًا مثل جسدنا، لكنه بلا خطيئة. عبارة «شبه جسد الخطيئة» لا تعني أن جسد المسيح كان خاطئًا، بل أنه جاء في جسد بشري حقيقي قابل للألم والموت، مشابه لجسدنا في الضعف الطبيعي، من دون أن يكون فيه فساد الخطيئة.

«وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ» تعني أن إرسالية الابن كانت لمعالجة الخطيئة نفسها. المسيح لم يأتِ ليعطي تعليمًا فقط، بل ليحمل قضية الخطيئة ويهزم سلطانها في الجسد.

«دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ» تعني أن الله حكم على الخطيئة وأبطل سلطانها في جسد المسيح المصلوب. الدينونة هنا ليست على المسيح كخاطئ، لأنه بلا خطيئة، بل على الخطيئة نفسها التي أُدينت وفُضح سلطانها وسُلبت قوتها في عمل المسيح الخلاصي.

«لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا» تعني أن قصد الناموس الصالح يتحقق في حياة الذين هم في المسيح. ما كان الناموس يطلبه ولا يستطيع الإنسان الجسدي أن يحققه، يصير ممكنًا في الذين يعيشون بقوة الروح. فالروح لا يلغي قداسة الوصية، بل يحقق قصدها في القلب والحياة.

«نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ» تعني أن إتمام حكم الناموس لا يتم في حياة من يعيش بحسب الأهواء، بل في من يقوده الروح. السلوك بحسب الروح هو حياة جديدة تُترجم في الطاعة والقداسة والمحبة، لا مجرد معرفة للوصية.

«فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ» تعني أن اتجاه الحياة يكشف طبيعة الإنسان. من يعيش بحسب الجسد يجعل اهتمامه بما يخدم الإنسان القديم: شهواته، كبرياءه، مصالحه، ورفضه لقيادة الله. الاهتمام هنا ليس فكرة عابرة، بل اتجاه داخلي يحكم الحياة.

«وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ» تعني أن الذين يعيشون بحسب الروح يتجه قلبهم إلى ما لله. اهتمامهم يصير بالحياة الجديدة، بالقداسة، بالطاعة، بالمحبة، وبما يرضي الله. الروح يغيّر مركز الاهتمام، فينتقل الإنسان من ذاته إلى الله.

«لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ» تعني أن الحياة التي يقودها الجسد تنتهي إلى الموت. الجسد هنا لا يعني الجسد المخلوق كشر، بل الإنسان عندما يكون خاضعًا للخطيئة ومعاديًا لعمل الله. هذا الاتجاه يقود إلى موت روحي، لأنه يفصل الإنسان عن مصدر الحياة.

«وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ» تعني أن الحياة التي يقودها الروح تحمل ثمرها في الداخل والخارج: حياة من الله وسلام مع الله. فالروح لا يعطي فقط قوة أخلاقية، بل يدخل الإنسان في شركة الحياة، ويثبته في سلام المصالحة التي نالها بالمسيح.

«لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ» تعني أن الجسد، بمعنى الإنسان الخاضع للخطيئة، لا يكون محايدًا أمام الله. حين يكون القلب محكومًا بالشهوة والكبرياء ورفض الطاعة، يصبح في عداوة مع الله. هذه العداوة تظهر في عدم الخضوع لناموس الله.

«إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ» تعني أن اهتمام الجسد يرفض سلطان الله. قد يعرف الإنسان الوصية، لكنه لا يخضع لها ما دام خاضعًا للجسد. فالخضوع لله يحتاج إلى قلب متجدد بقوة الروح.

«لأَنَّهُ أَيْضًا لَا يَسْتَطِيعُ» تعني أن الإنسان الجسدي لا يملك في ذاته القدرة على الخضوع الحقيقي لله. المشكلة ليست فقط في قلة المعرفة، بل في طبيعة مستعبدة تحتاج إلى تحرير وتجديد. لذلك كان لا بد من عمل المسيح والروح.

«فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ» تعني أن الإنسان، إذا بقي في حالته القديمة الخاضعة للخطيئة، لا يقدر أن يرضي الله. إرضاء الله لا يتم بقوة الجسد ولا بمجرد الحرف، بل بالحياة الجديدة في المسيح، حيث يقود الروح القلب والجسد والعمل.

يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم أن بولس الرسول يعلن هنا انتقال المؤمن من سلطان الخطيئة والموت إلى سلطان الروح، وأن رفع الدينونة مرتبط بالحياة في المسيح لا بالاستمرار في الجسد.ويشرح القديس أغسطينوس أن الناموس يطلب البر، لكن الروح يعطي القدرة على محبة البر وفعل ما يرضي الله، لأن الحرف وحده يكشف الضعف، أما النعمة فتشفي القلب.أما القديس كيرلس الإسكندري فيشرح أن ابن الله، بتجسده وموته وقيامته، دان الخطيئة في الجسد، لكي يحيا المؤمنون لا بحسب الجسد بل بحسب الروح، ويشتركوا في حياة المسيح.

بولس الرسول يعلن في هذه الرسالة أن لا دينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، لأن ناموس روح الحياة أعتقهم من ناموس الخطيئة والموت. ما عجز عنه الناموس بسبب ضعف الجسد صنعه الله بإرسال ابنه، فدان الخطيئة في الجسد، لكي يتم حكم الناموس في الذين يسلكون بحسب الروح. لذلك اهتمام الجسد موت وعداوة لله، أما اهتمام الروح فهو حياة وسلام.

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page