top of page

شرح رومية 9: 18-24



18 فَإِذًا هُوَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُقَسِّي مَنْ يَشَاءُ.

19 فَسَتَقُولُ لِي: «لِمَاذَا يَلُومُ بَعْدُ؟ لأَنْ مَنْ يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ؟»

20 بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟ أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هَكَذَا؟»

21 أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟

22 فَمَاذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ، احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ.

23 وَلِكَيْ يُبَيِّنَ غِنَى مَجْدِهِ عَلَى آنِيَةِ رَحْمَةٍ قَدْ سَبَقَ فَأَعَدَّهَا لِلْمَجْدِ،

24 الَّتِي أَيْضًا دَعَانَا نَحْنُ إِيَّاهَا، لَيْسَ مِنَ الْيَهُودِ فَقَطْ بَلْ مِنَ الأُمَمِ أَيْضًا.

يواصل بولس الرسول في هذه الرسالة شرح سلطان الله في الرحمة والدعوة، بعدما أعلن أن الأمر ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم. وهنا يدخل إلى السؤال الصعب: إذا كان الله يرحم من يشاء ويقسي من يشاء، فكيف يلوم الإنسان؟ فيجيب بولس الرسول بإرجاع الإنسان إلى موضعه أمام الله: الإنسان مخلوق، والله هو الخالق، وله سلطان كامل في تدبير رحمته وعدله وقصده.

«فَإِذًا هُوَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُقَسِّي مَنْ يَشَاءُ» تعني أن الله صاحب السلطان في الرحمة وفي الدينونة. رحمته ليست دينًا مفروضًا عليه من الإنسان، وتقسيته ليست ظلمًا، بل حكمًا عادلًا يسمح فيه بأن يبقى المتكبر في قساوة قلبه عندما يرفض النعمة. فالله يرحم بحسب صلاحه، ويقسي بحسب عدله، ولا يكون في شيء من ذلك ظالمًا.

«فَسَتَقُولُ لِي: «لِمَاذَا يَلُومُ بَعْدُ؟ لأَنْ مَنْ يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ؟»» تعني أن بولس الرسول يطرح الاعتراض البشري: إذا كانت مشيئة الله نافذة، فلماذا يلوم الإنسان؟ هذا السؤال يحاول أن يحوّل سلطان الله إلى حجة يتنصل بها الإنسان من مسؤوليته. لذلك لا يسمح بولس الرسول للإنسان أن يجعل سرّ مشيئة الله ذريعة لمخاصمة الله.

«بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟» تعني أن بولس الرسول يضع الإنسان أمام حقيقة مقامه. ليس المقصود منع السؤال بتواضع، بل رفض المجادلة المتكبرة التي تجعل الإنسان يقف كقاضٍ على الله. الإنسان لا يستطيع أن يحاكم عدل الله من فوق، لأنه مخلوق محدود أمام الخالق القدوس.

«أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هَكَذَا؟»» تعني أن المخلوق لا يملك أن يخاصم الخالق كأنه مساوٍ له. صورة الجبلة والجابل تعلن أن الله يعرف ما يصنعه، وأن قصده لا يخضع لفهم الإنسان المحدود. الجبلة لا ترى كل قصد الجابل، أما الجابل فيعرف شكل الإناء وغاية صنعه.

«أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ» تعني أن الله له سلطان على خليقته كما للخزاف سلطان على الطين. هذا السلطان لا يعني اعتباطًا أو ظلمًا، بل سيادة الخالق وحكمته. الله لا يتصرف كإنسان متقلب، بل كخالق صالح وعادل يعرف قصده.

«أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟» تعني أن من أصل واحد يستطيع الخزاف أن يصنع أواني مختلفة بحسب قصده. بولس الرسول يستعمل هذه الصورة ليبيّن أن الله له سلطان في أن يعلن رحمته في أوانٍ للكرامة، وأن يُظهر عدله على أوانٍ للهوان. الفرق لا يقوم على حق يفرضه الطين على الخزاف، بل على سلطان الله في تدبيره.

«فَمَاذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ» تعني أن الله، في عدله، يعلن غضبه على الشر وقوته في مواجهة العصيان. غضب الله هنا ليس انفعالًا بشريًا، بل حكم قداسته على الخطيئة. وقوته تظهر حين لا ينهزم قصده أمام مقاومة الإنسان.

«احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ» تعني أن الله لا يتسرع في الدينونة، بل يحتمل بأناة كثيرة. هذه الأناة تكشف طول روحه وعدله، لأنها تعطي مجالًا وتُظهر أن الهلاك ليس بسبب نقص في صبر الله، بل بسبب حال الإناء الرافض والمعاند. عبارة «آنِيَةَ غَضَبٍ» تشير إلى الذين صاروا في موضع الحكم بسبب مقاومتهم للحق وقساوة قلوبهم.

«وَلِكَيْ يُبَيِّنَ غِنَى مَجْدِهِ عَلَى آنِيَةِ رَحْمَةٍ» تعني أن قصد الله لا يقف عند إظهار الغضب على الشر، بل يعلن أيضًا غنى مجده في الذين يرحمهم. آنية الرحمة هم الذين يتقبلون عمل رحمته ودعوته، فيظهر فيهم غنى نعمته ومجده.

«قَدْ سَبَقَ فَأَعَدَّهَا لِلْمَجْدِ» تعني أن الله أعدّ آنية الرحمة للمجد بحسب قصده السابق. المجد هنا هو نهاية عمل النعمة: أن يدخل المؤمنون في كمال الحياة مع الله، ويصيروا مشابهين صورة ابنه. فالله لا يدعو فقط، بل يقود المدعوين إلى المجد.

«الَّتِي أَيْضًا دَعَانَا نَحْنُ إِيَّاهَا» تعني أن بولس الرسول يربط هذا الكلام بالمؤمنين أنفسهم. نحن من آنية الرحمة، لا بسبب استحقاقنا، بل لأن الله دعانا. الدعوة هي عمل النعمة الذي يدخل الإنسان في قصد الله.

«لَيْسَ مِنَ الْيَهُودِ فَقَطْ بَلْ مِنَ الأُمَمِ أَيْضًا» تعني أن رحمة الله ودعوته لا تنحصران في اليهود وحدهم، بل تمتدان إلى الأمم أيضًا. هنا يظهر كمال قصد الله في المسيح: أن يجمع من اليهود ومن الأمم شعبًا واحدًا بالرحمة، لا على أساس افتخار الجسد، بل على أساس دعوة الله ونعمته.

يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم أن بولس الرسول لا يجعل الله ظالمًا، بل يوقف الإنسان أمام عظمة سلطان الله، مبيّنًا أن الرحمة من الله، وأن الإنسان لا يملك أن يحاكم تدبير الخالق بعقل متكبر.

ويشرح القديس أغسطينوس أن الرحمة نعمة حرة من الله، وأن الدينونة عادلة، لأن الله لا يكون مديونًا لأحد بالرحمة، ولا يظلم أحدًا حين يحكم على القساوة والعصيان.

أما القديس كيرلس الإسكندري فيشرح أن دعوة الله تمتد في المسيح إلى اليهود والأمم، وأن آنية الرحمة تُعدّ للمجد باتحادها بالمسيح، حيث يظهر غنى نعمة الله وقصده الخلاصي.

بولس الرسول يعلن في هذه الرسالة أن الله يرحم من يشاء ويقسي من يشاء، من غير ظلم، لأن الله هو الخالق وصاحب السلطان على الطين. الإنسان لا يقف فوق الله ليحاكم قصده، بل يقف أمامه بتواضع. والله، وهو يحتمل بأناة كثيرة آنية الغضب، يعلن في الوقت نفسه غنى مجده على آنية الرحمة التي أعدها للمجد، وهي التي دعاها من اليهود ومن الأمم أيضًا.

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page