top of page

من وعد الدولة إلى شراكة الانهيار



مارونايت نيوز - نادوا بالتحرير، فإذا بهم يفاوضون على السيادة. هتفوا بالتغيير، فإذا بالتغيير يبدّل العناوين ويُبقي الجوهر على حاله. أعلنوا الحرب على الفساد، ثم جلسوا إلى طاولة هندساته المالية، وباركوا سلسلة الرتب والرواتب بلا إصلاحٍ موازٍ، ومرّروا اليوروبوند كأنّ خزائن الدولة لا تعرف الإفلاس. تحدّثوا عن دولةٍ قوية، فإذا بالسدود فضيحة، والكهرباء حلمًا مؤجّلًا، والاتصالات مشروعًا بلا رؤية، وكلّما سُئلوا قالوا: «ما خلّونا»!

والآخرون؟ وعدوا بخفض الدولار ساعة نيل الأكثرية، وبشّروا بحكمٍ مختلف، وتعهدوا بأسماء وحقائب وخطوط حمر. رفضوا وزارة هنا، وتمسّكوا بوزارة هناك، ثم عادوا ليوقّعوا «تعاضدًا» على ما كانوا يرفضونه بالأمس. وعدوا بكهرباء ٢٤/٢٤ خلال أشهر، ورفضوا الضرائب علنًا، ثم وافقوا عليها سرًّا، بحجّة «المسؤولية الوطنية».

في اللحظات المصيرية، لا تختبئ المبادئ خلف التبريرات. عندما تُمسّ كرامة طائفة، أو يُضرب معنى الشراكة، أو يُساوَم على السيادة، هناك خيار اسمه الاستقالة. الاستقالة ليست هروبًا، بل إعلان موقف. هي القول الواضح: لا أوقّع على ما لا أؤمن به، ولا أغطّي ما يناقض وعودي.

السياسة ليست مسرحًا لتبديل الأقنعة. لا يصحّ أن يكون الخطاب في الساحات شيئًا، وفي الغرف المغلقة شيئًا آخر. «من برّا هلا هلا، ومن جوّا يعلم الله» ليست مدرسة حكم، بل وصفة انهيار.

كميل شمعون لم يكن يساوم على مفهوم الدولة. بشير الجميل لم يكن يعتبر السيادة تفصيلًا تفاوضيًا. وشارل مالك لم يفصل بين الأخلاق والسياسة. رجال اختلفنا معهم أو اتفقنا، لكنهم فهموا أن الكرامة العامة لا تُجزَّأ، وأن الدولة ليست شركة مساهمة لتقاسم الحصص.

اليوم، لا يبكي هؤلاء على أشخاص، بل على فكرة الدولة التي تتآكل. يبكون على زمنٍ كان فيه الموقف أثمن من المنصب، والكلمة أعلى من التسوية. أما نحن، فإما أن نستعيد معنى الالتزام، أو نبقى نردّد الشعارات ذاتها، فيما الوطن يذوب بين تبريرٍ وتوقيع.

جورج يونس

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page