شرح رومية 9: 1-5
- مارونايت نيوز

- 9 minutes ago
- 3 min read

مارونايت نيوز
1 أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لَا أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ:
2 إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لَا يَنْقَطِعُ.
3 فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ،
4 الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ،
5 وَلَهُمُ الآبَاءُ، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.
يدخل بولس الرسول في هذه الرسالة إلى الكلام عن شعب إسرائيل بقلب موجوع لا بروح خصومة. فبعد أن أعلن في رومية 8 أن لا شيء يفصل المؤمنين عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا، يفتح الآن جرحًا عميقًا في قلبه: حزنُه على إخوته وأنسبائه حسب الجسد، الذين لهم تاريخ العهد والوعود والآباء، ومنهم جاء المسيح حسب الجسد.
«أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لَا أَكْذِبُ» تعني أن بولس الرسول يبدأ بإعلان صدقه أمام المسيح. هو لا يتكلم بدافع عاطفة سطحية ولا بموقف خارجي، بل يشهد في المسيح أن ما يقوله حقيقي. كلامه عن إسرائيل صادر من قلب صادق أمام الرب.
«وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ» تعني أن ضمير بولس الرسول ليس شاهدًا بشريًا فقط، بل ضمير مستنير بالروح القدس. هو يضع شهادته أمام الله، ويؤكد أن حزنه ليس ادعاءً، بل حقيقة داخلية يشهد لها ضميره في الروح.
«إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لَا يَنْقَطِعُ» تعني أن بولس الرسول يحمل ألمًا دائمًا بسبب موقف إخوته من المسيح. هذا الحزن ليس كراهية ولا رفضًا لهم، بل محبة موجوعة. هو يرى الامتيازات العظيمة التي أُعطيت لهم، ويرى في الوقت نفسه خطورة عدم قبول المسيح.
«فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ» تعني أن محبة بولس الرسول لإخوته بلغت تعبيرًا شديدًا جدًا. هو لا يعلن انفصالًا فعليًا عن المسيح، ولا يطلب أن يفقد خلاصه، بل يعبّر عن عمق استعداده للبذل من أجل خلاصهم. هذه العبارة تكشف قلبًا رسوليًا يحمل وجع الشعب أمام الله.
«لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ» تعني أن بولس الرسول يتكلم عن قرابته بحسب الأصل القومي والجسدي، أي عن شعبه إسرائيل. هو لم ينسَ شعبه بعد إيمانه بالمسيح، ولم يتحول إيمانه إلى قطيعة قاسية معهم، بل صار يحملهم في قلبه أمام الله.
«الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ» تعني أن بولس الرسول يذكر هويتهم العهدية. هم شعب إسرائيل، الشعب الذي حمل تاريخ دعوة الله، وسار في مسيرة العهد والوعود والانتظار. لذلك يكون حزنه أعظم، لأن الأمر يتعلق بشعب له امتيازات روحية كبيرة.
«وَلَهُمُ التَّبَنِّي» تعني أن الله عامل إسرائيل كشعب مختار له، ودعاه ابنه في معنى العهد والرعاية والدعوة. هذا التبني في تاريخ إسرائيل كان امتيازًا عظيمًا، لأنه كشف قرب الله من شعبه وعنايته به.
«وَالْمَجْدُ» تعني حضور الله الذي ظهر في وسط شعبه، خصوصًا في خيمة الاجتماع والهيكل، وفي علامات حضوره وسطهم. المجد هنا يذكّر بأن الله لم يكن إلهًا بعيدًا عنهم، بل أعلن حضوره بينهم.
«وَالْعُهُودُ» تعني العهود التي أقامها الله في تاريخ الخلاص، مع إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى وداود. هذه العهود كانت تحمل وعد الله وأمانته وتدبيره، وكانت تهيئ لمجيء المسيح.
«وَالاشْتِرَاعُ» تعني إعطاء الناموس. لقد أُعطي إسرائيل الناموس، لا كامتياز خارجي فقط، بل كإعلان لمشيئة الله وقداسته. وهذا جعل مسؤوليته أعظم، لأنه عرف الوصية والحق.
«وَالْعِبَادَةُ» تعني العبادة التي نظمها الله لشعبه، من ذبائح وكهنوت وهيكل وأعياد. هذه العبادة كانت تحمل رموزًا وإشارات إلى عمل الله الخلاصي، وتوجّه القلب إلى القداسة والاقتراب من الله.
«وَالْمَوَاعِيدُ» تعني الوعود الإلهية التي حملت رجاء الخلاص، ولا سيما الوعد بالنسل والبركة والملك والمسيح. إسرائيل لم يكن يملك تاريخًا دينيًا فقط، بل وعودًا حيّة من الله تنتظر كمالها.
«وَلَهُمُ الآبَاءُ» تعني أن لإسرائيل آباء الإيمان: إبراهيم وإسحق ويعقوب، ومعهم تاريخ الدعوة الأولى. الآباء هم شهود أمانة الله ووعده، ومن خلالهم بدأ خط العهد الذي قاد إلى المسيح.
«وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ» تعني أن المسيح جاء من إسرائيل بحسب الجسد، أي بحسب نسبه البشري. هذه هي أعظم كرامة في تاريخ إسرائيل: أن ابن الله المتجسد جاء منهم بحسب الجسد. فالمسيح لم يظهر خارج تاريخ العهد، بل جاء في ملء هذا التاريخ.
«الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.» هي شهادة عظيمة للاهوت المسيح. فبولس الرسول، بعد أن قال إن المسيح جاء من إسرائيل حسب الجسد، يعلن أنه على الكل إله مبارك إلى الأبد. وهنا يظهر سر المسيح: هو من إسرائيل حسب الجسد، وهو في الوقت نفسه الإله المبارك إلى الأبد. لذلك لا يكون المسيح مجرد امتداد قومي لإسرائيل، بل رب الجميع ومخلّصهم.
يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم أن بولس الرسول يبدأ كلامه عن إسرائيل بحزن ومحبة، لكي يبيّن أنه لا يتكلم عليهم بعداوة، بل كرسول يتألم لأجل خلاص إخوته.
ويشرح القديس أغسطينوس أن امتيازات إسرائيل عظيمة لأنها حملت العهود والوعود والآباء، لكن كمال هذه الامتيازات هو المسيح الذي جاء منهم حسب الجسد.
أما القديس كيرلس الإسكندري فيشرح أن قول بولس الرسول عن المسيح: «الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ» يعلن أن الذي جاء حسب الجسد هو نفسه الابن الإلهي، رب الكل، المبارك إلى الأبد.
بولس الرسول يعلن في هذه الرسالة حزنه العظيم على إخوته حسب الجسد، لا لأنه يرفضهم، بل لأنه يعرف عظمة ما أُعطي لهم: التبني، والمجد، والعهود، والناموس، والعبادة، والمواعيد، والآباء. ومنهم جاء المسيح حسب الجسد، وهو الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد.







Comments